الأربعاء، 4 مارس، 2009

العمل الخيري لا يقف عند الدعوة إلى الله


يحصر كثير من الناس العمل الخيري في الدعوة إلى الله, ويرون أن مساعدة المحتاجين وبناء الملاجئ وغيرها أمور لا تعنيها.

أن أي دين, إذا أريد له أن يكون مؤثراً في حياة الناس, خاصة البسطاء, لا يجب أن يقف عند حدود الدعوة, بل يجب أن يشعر به الناس في حياتهم به. ويتذكر أكثر القراء ما كانت تقوم به الممرضات الراهبات في المستوصفات القليلة التي كانت منتشرة في الستينات في القاهرة تحت اسم (السبع بنات), اللاتي لم أجد لهن مثيلاً بعد ذلك سواء في مصر أو هنا في الكويت, في حسن معاملاتهن ونظافتهن وكل شئ في مستوصفاتهن الصغيرة من نظام وعناية, رغم فارق السنين والامكانيات التكنولوجية والعلاجية الحديثة.

وسيدهش القارئ إذ علم أن حجة الإسلام الغزالي يجعل توفير حاجات الإنسان ومنها الكسوة والمسكن وغيرها أولوية على نظام الدين, حيث يقول : "نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية. فنظام الدنيا شرط لنظام الدين" ([1]).

والقاعدة الفقهية تقول " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" , وعليه فإن رأت الجماعة الإسلامية أن المسلمين في مكان ما في حاجة ضرورية إلى توفير مستلزمات الحياة من حفر آبار وبناء مدارس بجانب المساجد فكلها واجبة.

ولا أعرف كيف يحصر البعض العمل الإسلامي في توفير العلماء فقط, ويشهد التاريخ للمسلمين السبق في إنتشار مؤسسات الإغاثة والعناية والمستشفيات المجانية, حيث لم يقتصر دور المسلمين في توفير الأطباء والأسِرة والأدوية, بل تعدت إلى رعاية المرضى بعد الشفاء والخروج من المستشفى. وإذا كان قول الله تعالى:" إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" (التوبة: 60) قد أغلقت باب الاجتهاد في مجال الزيادة على الأصناف الثمانية, إلا أنها لم تغلق الباب أمام الاجتهاد في كيفية الصرف والتوزيع.

ولا اعرف على ما يستند إليه قول هؤلاء المغرضين, على اعتبار كل الأعمال الخيرية الضرورية للدين والدنيا تدخلاً من الجماعات الإسلامية الكويتية فيما لا يعنيها ؟ خاصة وأنه يرى كيف أن الأديان التي نعتبرها نحن باطلة تسيطر منفردة في عصر العولمة بأهم أسسها من اتصالات وإعلام وفضائيات وانترنت, وتجعل أولى رسائلها تجميل عقيدتها الباطلة في العيون, ومحاولة نشرها ؟

إن المسلمين أدركوا أهمية الوجوه العديدة لعمل الخير, فيذكر د. محمد عثمان شبير, أن الأوقاف الإسلامية شملت المساجد والحوانيت والأراضي، والخانات, ودور العلم، والمدارس، والمستشفيات، والأوقاف على المقابر، والأوقاف للقرض الحسن، ووقف البيوت الخاصة للفقراء، يسكنها من لا يجد ما يشتري به داراً أو يستأجرها، والسقايات، والمطاعم الشعبية التي يفرق فيها الطعام للفقراء والمحتاجين : كتكية السلطان سليم، والشيخ محيي الدين بدمشق، وتكية الحرم الإبراهيمي بالخليل، ووقف بيوت للحجاج بمكة ينزلونها حين يأتون إلى الحج، ووقف الآبار في الفلوات لسقاية المسافرين والزروع والماشية، ووقف المتاع المنقول، لا سيما ما يتعلق منه بالحرب: كالخيول، والكراع، وآلات الحرب، ووقف عقارات وأراض زراعية، يصرف ريعها للمجاهدين في سبيل الله، لا سيما عندما تعجز الدولة عن الإنفاق على كل أفراده، ووقف ما يكفي لإصلاح القناطر والجسور، وكثير من الأوقاف كان يصرف ريعه على اللقطاء واليتامى والمقعدين والعجزة والعميان والمجذومين ليعيشوا فيها ويجدوا فيها السكن والغذاء، واللباس والتعليم، والمعالجة. بل أن الوقف شمل ما حبس ريعه لتزويج الشباب والشابات الذين تضيق أيديهم أو أيدي أولياء أمورهم عن نفقات الزواج والمهر. وشمل من حليب وسكر، حتى لقد جعل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله في أحد أبواب القلعة بدمشق، ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المذاب فيه السكر والحليب"([2]).
[1] الأمام أبي حامد الغزالي، "الاقتصاد في الاعتقاد، (القاهرة: مطبعة صبيح)، بلا تاريخ، ص 135.
[2] د. محمد عثمان شبير، بحث "مبدأ التمليك ومدى اعتباره في صرف الزكاة" ، مجلة "الشريعة والدراسات الإسلامية"، السنة التاسعة، العدد الثاني والعشرون، مايو 1994م. نقلاً عن: رحلة ابن بطوطه، ص 122، من روائع حضارتنا للسباعي ص 151.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق