الاثنين، 2 مارس، 2009

هل كلهم على حق ... نعم !



جميل أن يعشق العامل أو العالِِم (بكسر اللام) تخصصه ...
والأجمل في نظري أن يعتقد المرء أن على تخصصه يتوقف تقدم الأمة ورخاءها وبروزها على كافة الأمم الأخرى! لماذا ؟

لأن هذا المتخصص العاشق قد اكتشف (ربما بمفرده) في تخصصه منهجاً وطريقة أداء رائعة، لا تجعل منه شخصاً متميزاً في قومه فقط، بل تجعل من أمته أمة متميزة تفوق كل الأمم أيضاً.
وهو على استعداد إثبات ذلك بدراسات مُحكمة، لا مجرد شعارات، كما هي عند السياسيين يحسبه الظمآن ماء، وهي في الحقيقة مجرد سراب!

مفهوم الأمة
في هذا الخصوص اعتدنا أن نسمع من علمائنا الأفاضل المتخصصين في الفقه والشريعة الإسلامية "أن أول أخطاء الأمة أننا فقدنا مفهوم الأمة، وقد قال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" [1]. ومثل ذلك يقال في مسألة العدالة والحكم والتغريب والرباط في سبيل الله ... الخ

سلاح الخطاب
ومن أمثلة ذلك ما كتبه د.عبد السلام المسدي[2]، في كتابه "السياسة وسلطة اللغة: "أن العرب لن يفيدوا كثيرا من امتلاك السلاح، ولا من الانفراد بالثروة، ولا من التطلع الى توظيف الطاقة الذرية سلميا، ما لم يمتلكوا سلاح الخطاب، لن يحقق العرب انتصارا سياسيا في الساحة الدولية إلا اذا أتقنوا صناعة االخطاب وتمرسوا بآليات تفكيك الخطاب وتفوقوا في مهارات توضيب الخطاب"

والأمثلة كثيرة تبدأ من ما هو بسيط في نظرنا، مثل هاوي جمع عملات قديمة لبلده، يرى أن تلك العملات تؤرخ لمراحل هامة من تاريخ بلاده، ومن خلال هوايته تم دعوته إلى أكثر من معرض دولي لعرض ما جمعه... وهكذا

من الطريف في هذا الصدد، من أورده فيلم Shaolin Soccer . ففي بداية الفيلم نشاهد بعض المشاكل التي يعاني منها سكان هونج كونج، فها هي حافلة الركاب العامة لا تقف في المحطة وتترك الركاب الذين يشاورون لها ويفشلون في اللحاق بها، وها هي آنسة تحمل كتباً وأشياء أخرى ولا تنتبه لقشرة الموز التي تنزلق بها فتسقط أرضاً وتتطاير ما تحمله هنا وهناك، كما يقف سائق شاحنة عاجزاً أمام صندوق ضخم يجب وضعه فوق تلال الصناديق التي تحملها شاحنته، ويرى البطل (سينغ Sing)، ويعمل حمالاً، أن لعبة الكنغو فو ممكن أن تحل جميع تلك المشاكل وغيرها التي تواجه الإنسان في الحياة. ولكنه لم يستطع أن يقنع أحداً بذلك في البداية، ولذلك يعيش في فقر مدقع. وبعد نجاحه في تطبيق مهارات الكنغو فو على كرة القدم، تقبل الجماهير على اللعبة، فيستطيعون، في نهاية الفيلم، اللحاق بحافلة الركاب التي لا تقف في المحطة بالقفز الناجح من الشبابيك والدور الثاني للحافلة، كما تستطيع الآنسة التي تحمل كتباً أن تحفظ توازنها عندما تطأ قشرة الموز، وهكذا يستطيع سائق الشاحنة من وضع الصندوق الضخم فوق تلال الصناديق بشاحنته بضربة كنغو فو بإحدى رجليه. وبذلك استطاع سنغ أن يثبت نظريته في قدرة الكنغو فو في حل جميع مشاكل الحياة

هل كلهم على حق؟
نعم، أنا أرى أن كلهم على حق.
فمقياس تقدم الأمة العظيمة لا يتوقف عندي على جودة إنتاج سلعة أو منتج واحد. والأدلة على ذلك كثيرة.

الإنتاج الياباني مثلاً، حاز على ثقة المستهلك سواء في السيارات أو الأجهزة الكهربائية أو الكمبيوترات وحتى أطباق السُفرة!

كذلك الإنتاج الأمريكي بالإضافة إلى الثقة التي يحوزها في صناعة الأسلحة، فالكل يثق في نتائج علماء النفس الأمريكيين، وعلماء الأحياء الأمريكيين، وعلماء الصحة والدواء الأمريكيين، وتجارب علماء الفضاء الأمريكيين، حتى أن بحثاً أو مقالة في العربية ليس فيه مرجع أمريكي لا يعتبر جديراً بالثقة! هذا بالإضافة إلى الأكلات الأمريكية كنتاكي ... هاردز ... ماكدونالد ...
ويقول ناجي عنايت في هذا الصدد: عندما نتكلم عن عصر المعلومات والمجتمع الذي يسوده نتكلم عن مجتمع يعتمد على التكنولوجيات المتطورة للمعلومات في إقامة: زراعة جديدة، وصناعة جديدة، وممارسات سياسية جديدة، واقتصاد جديد، ونظم إدارية جديدة، ونظم تعليم جديدة. وأيضاً نظم ثقافية جديدة تختلف عن النظم الثقافية التي سادت عصري الزراعة والصناعة [3].

وكل الكتاب – مثلي - يعتقدون أن على كتاباتهم يتوقف تقدم الأمة ورخاؤها وبروزها على كافة الأمم الأخرى! وإلا لماذا نكتب؟
[1] د. محمد سيد طنطاوي، الخيرية، العدد 94، رمضان 1418 هـ، ص 40.
[2] أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية وعضو المجامع العلمية للغة العربية في كل من تونس ودمشق وطرابلس وبغداد، وعمل من قبل وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي في تونس، وسفيرا لبلاده لدى جامعة الدول العربية.
[3] الصحافي ناجي عنايت، ندوة "آفاق العمل العربي المشترك"، الأنباء ، الأربعاء 1 /4/1998.

(الصورة من الفيلم المذكور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق