الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017

مدخل إلى كمال الأجسام وصحة العقل والروح من منظور إسلامي

  
مدخل إلى كمال الأجسام
وصحة العقل والروح
من منظور اسلامي



إعداد
سعيد فتح الله سعيد كرار





الشكر والتقدير للممثل العالمي جين كلود فان دام، الذي قال للشباب في كل مكان :
فاجأ الممثل البلجيكي جان كلود فان دام، ملايين المشاهدين عندما تحدث عن شخص النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، أثناء استضافته في برنامج "Yes I'm Famous - أيوه أنا مشهور"، الذي اذيع عبر فضائية "أم بي سي". وقال "كان النبي محمد على قدر عال من الذكاء، كان يعلم ما هو جيد للمستقبل وللجسد، لذا انظروا إلى الطعام في الماضي، فستجدون كل شيء مفيدا". وأضاف "اقرأوا أكثر عن الموضوع ستجدون الكثير من الأشياء الجيدة عن المسلمين".
وسبب المفاجأة أن الاعلام العربي الحديث (صحافة – إذاعة – تليفزيون، فضائيات) لا يشير بشكل كاف إلى التعاليم الصحية الإسلامية أو الطب النبوي، والمتمثل في توجيهات القرآن الكريم ورسول الاسلام (صلى الله عليه وسلم) إلى ما يحفظ الانسان جسداً وعقلاً ونفساً وروحاً من الأمراض، إلا في المناسبات الإسلامية مثل صيام شهر رمضان، وذلك بسبب – إذا حسنت النية – عدم وجود متسع من الوقت، نتيجة الحرص الشديد على ملاحقة كل جديد من أخبار وأحداث محلية أو عربية أو عالمية تجذب الجماهير. هذا بالرغم من الثروة الهائلة في مجال الطب النبوي بين يدينا، ورغم أهميته للانسان في كل مكان وكل زمان.
وإذا كان "فان دام" أصبح متخصصاً نتيجة الممارسة الطويلة في مجال حفظ الصحة واللياقة البدنية، منذ بدأ في لعب الباليه وهو في سن السادسة، الذي درسها لمدة خمس سنوات، ووفقا لفاندام، الباليه "هو فن، لكنه أيضا واحدة من الرياضات الأكثر صعوبة. ويقول:"إذا كنت تستطيع النجاة من تجربة الباليه، يمكنك النجاة من تجريب أي رياضة أخرى". ثم بدأ بعد ذلك في ممارسة فنون الدفاع عن النفس في سن العاشرة عندما ألحقه والده في مدرسة كاراتيه شوتوكان، التي تجمع بين أساليب كل من الكاراتيه والكيك بوكسينغ، وإلى أن أصبح وأحداً من أشهر ممثلي الأكشن في هوليود، الذين يتميزون ببنية قوية للغاية وسرعة الحركة. وسجل نزالاته في الرياضات القتالية تشير أنه قبل الاحتراف فاز 48 مرة، منها 44 مرة بالضربة القاضية، وخسارة 4 مباريات فقط، وبعد الاحتراف فاز في 19 مباراة منها 18 بالضربة القاضية، وخسارة واحدة. وإذا كان فان دام قال ما جاء في المقدمة ناصحاً الشباب في كل مكان إلى اتباع الارشادات الصحية الموجودة في الإسلام والتي أشار اليها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن أول أو آخر متخصص في هذا المجال في العالم الغربي المتقدم يقول ذلك، فقد سبقه العديد من المنصفين من المتخصصين في العلوم المختلفة الذين يرون أن أسس علومهم مدينة لعلماء الحضارة الإسلامية ولكتاب الإسلام العظيم القرآن الكريم وسنة النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. 
والشكر موصول إلى كل من أشار إلى المخزون الاسلامي الهائل من الإرشادات والنصائح والتوجيهات، وهم كثر، وأتينا على ذكرهم في متن الدراسة.





المقدمة


          دلت التجربة الإنسانية الطويلة مع الأمراض إلى أن الوقاية خير من العلاج،  وأصبح هدف الصحة منذ النصف الأول من القرن العشرين هو حماية الفرد منذ ولادته، بل حتى قبل ولادته، من الأمراض للوصول بالإنسان إلى أقصى كفاءة بدنية وعقلية واجتماعية.

          فصحة الإنسان،  كما توصل إليه جهود علماء اليوم، لا يتوقف عند التركيبة البيولوجية للفرد (البيئة الداخلية)، بل هي نتيجة تفاعلات البيئة الداخلية وبيئته الاجتماعية.

          كما دلت التجربة الإنسانية أن الإنسان هو العنصر الأساسي في التنمية، يفوق بكثير عناصر الإنتاج الأخرى من مواد خام ورأس مال. وأن تثقيفه صحياً يقف جنباً إلى جنب مع الاهتمام بعلاجه من الأمراض، ليكون عنصراً فعالاً في التنمية.

          ولأن هناك معوقات كثيرة مرجعها النفس الإنسانية، أو الجزء اللاواعي في الإنسان، تعوق بين الفرد وبين وصوله إلى أقصى درجات الصحة. أصبحت المسؤولية التي تقع على عاتق التوعية الصحية والقائمين عليها ضخمة وهائلة.

          فعليهم تقع مسؤولية ملاحقة الاكتشافات الحديثة في علاج الأمراض، وطرق الوقاية منها من جهة،  وتبسيط تلك المعلومات ونقلها أولاً بأول إلى أفراد المجتمع من جهة أخرى، انطلاقاً من الثوابت الاجتماعية، وذلك باستخدام أحدث الوسائل الإعلامية التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة ودراسات الرأي العامة في المجتمع.

          وقد شعرت بتجاهل القائمين على التوعية الصحية وعدم التفاتهم إلى المخزون الهائل الموجود في تراثنا العربي والإسلامي، والممكن الاستعانة به في التوعية الصحية.

          لذلك يهدف هذا البحث إلى وضع مفهوم للتوعية الصحية، انطلاقاً من أهم الثوابت الاجتماعية في المجتمعات العربية، ألا وهو الطب الإسلامي أو الطب النبوي (وسأستخدم المصطلحين بمعنى واحد)، ليكون في متناول الإعلاميين.

          وعليه قمت بتقسيم البحث إلى ثلاث مباحث:
المبحث الأول: الاعلام ومعوقات السلوك الصحي: التوعية الصحية، بلغة الإعلام، رسالة تستهدف الوصول لجميع إفراد المجتمع، وفي هذا المبحث أقدم مبررات جديدة لضرورة ربط التوعية الصحية بالطب الإسلامي أو الطب النبوي (وسأستعمل المصطلحين بمعنى واحد)، مستنداً على أراء الإعلاميين.
المبحث الثاني: معنى التوعية الصحية: ذكرت فيها المفاهيم العديدة لمعنى التوعية الصحية عبر التاريخ.
المبحث الثالث: نحو مفهوم إسلامي للتوعية الصحية: كنتيجة لتعدد مفاهيم التوعية الصحية، كما دلّ عليها المبحث الثاني، أقدم في هذا المبحث أدلة ومبررات لضرورة ربط التوعية الصحية بالطب الإسلامي لضمان نجاحها في أي مجتمع عربي وإسلامي.
 
وأختتم هذا المبحث بتوصيات عامة تمخضت عنها الدراسة.

 

المبحث الأول: الإعلام ومعوقات السلوك الصحي

تمهيد

(1-1)              من الضروري بداية إيراد أهم المصطلحات والتعريفات المستخدمة في الإعلام الحديث:
‌أ)        الاتصال: تعني النشاط الذي يستهدف تحقيق العمومية أو الذيوع لفكرة أو موضوع أو منشأة أو قضية، عن طريق انتقال المعلومة من شخص أو جماعة إلى أشخاص أو جماعات باستخدام رموز ذات معنى موحد ومفهوم بنفس الدرجة لدى كل من الطرفين[i]. ويرى د. محمد معوض أن الاتصال بين البشر ضرورة لا غنى عنها لأية جماعية إنسانية، فهو أساس كل تكيف وتفاعل وفهم يطالب به المجتمع أعضاءه. ويعتبر الاتصال قوة مؤثرة في مختلف مجالات النشاط البشري خاصة وأنه المجال الواسع لتبادل الآراء والمعارف والأفكار والخبرات، فالمجتمعات تنشأ أصلاً بالاتصال، ويستمر وجودها بالاتصال[ii].

‌ب)    الاتصال الجماهيري: يتكون الاتصال الجماهيري من عناصر أربعة هي: (1) فئات الجمهور المستهدف من النشاط الإعلامي أو الاتصالي، والتي يسعى القائم بالاتصال إلى توجيه الجهود الاتصالية إليها، و(2) الرسالة الإعلامية أو الاتصالية، والتي يتم إعدادها طبقاً لمجموعة من الخصائص والمحددات التي تؤثر في قوة الرسالة وتأثيرها، (3) الوسائل الإعلامية أو الاتصالية، والتي تستخدم في نقل الرسالة من مصدر الاتصال إلى فئات الجمهور المستهدف، ولابد أن يتم اختيارها طبقاً لمجموعة من المعايير الموضوعية التي تسهم في اختيار أنسب الوسائل الاتصالية ملائمة لطبيعة الرسالة ونوعها، وطبيعة الجمهور المستهدف، و(4) القائم بالاتصال أو مصدر الاتصال، والذي يجب أن يتميز بخصائص ومواصفات معينة تسهم في تحقيق التأثير الاتصالي المستهدف[iii].

‌ج)     الإعلام: هو كافة أوجه النشاط الاتصالية التي تستهدف تزويد الجمهور بكافة الحقائق والأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة عن القضايا والموضوعات والمشكلات ومجريات الأمور بطريقة موضوعية وبدون تحريف، بما يؤدي إلى خلق أكبر درجة ممكنة من المعرفة والوعي والإدراك والإحاطة الشاملة لدى فئات جمهور المتلقين للمادة الإعلامية ... وبما يسهم في تنوير الرأي العام وتكوين الرأي الصائب لدى الجمهور في الوقائع والموضوعات والمشكلات المثارة والمطروحة.

‌د)       الرأي العام: وتعني "مناشدة جمع من الأفراد التعبير، بالتأييد أو المعارضة، لمسألة معينة أو لشخص معين، أو لاقتراح معين، ذو أهمية واسعة، بحيث يكون عدد الأفراد ودرجة اقتناعهم وثباتهم، كافياً لاحتمال ممارسة التأثير، واتخاذ إجراء مباشر، أو غير مباشر، تجاه الهدف المقصود".

معوقات السلوك الصحي

(1-2)              تواجه التوعية الصحية معوقات عديدة تحول دون التأثير السريع في التغير نحو السلوك الصحي الصحيح[iv]، نذكر منها:
1-            التعارض الواضح غير المنطقي للسلوك الصحي: عند التمعن في الأشياء العديدة والعوامل المختلفة التي تؤدي إلى تطور اتجاهات وعادات الفرد الصحية، فسوف نندهش بشدة عندما نجد نقصاً واضحاً في الانسجام والتطابق في الاتجاهات والسلوك الصحي من الناحية المنطقية والاهتمامات الصحية المتعلقة بالكائن الحي. فهناك أشخاص يتحققون من متانة واتزان السلم قبل الصعود عليه، في حين تكون أيديهم مبللة بالماء عند إدارة الأزرار الكهربائية.

2-            التعارض بين الرغبات: قد نجد أنفسنا نتمزق من المعانات النفسية للتعارض بين رغباتنا في أداء بعض التصرفات الصحية التي نعرف بأنها هامة للغاية بالنسبة لنا، وفي نفس الوقت لا نريد أن نؤديها ... فالفحوص الطبية عامة تكون غير سارة ... ومن الطبيعي أن نفضل تجنبهم كلما كان ذلك ممكناً، حتى لو كنا مدركين للحاجة إلى تصرف عاجل.

3-            الخوف: رغم المخاطر فإن التأجيل في البحث عن العلاج الطبي للحالات التي تدعو للشك والريبة يعتبر ممارسة شائعة خاصة كلما كانت الأعراض لا تبدو غير عادية أو قاسية ... فأحياناً ما يؤجل الناس البحث عن الرعاية الطبية للأعراض، وذلك لأنهم يتوقعون أن تكون تلك الأعراض علامات لشئ ما ذات خطورة، وفي الواقع كلما زاد خوفهم مما قد تعني هذه الأعراض كلما زادت رغبتهم في التأجيل.

4-            عدم التفكير فيما يهدد صحتنا: رغم أن معظمنا يعترف بأن الصحة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لنا، إلا أننا عادة ما نعطي القليل من التفكير في التهديدات التي تهدد صحتنا ... مثل الرجل الكبير السن المهتم بأمراض القلب نادراً ما يفكر في تلك التهديدات المحتملة حتى يعرف بأن أحد أصدقائه المقربين قد أصيب بصدمة قلبية.

5-            العادات: تسهم العديد من عاداتنا مثل تلك التي ترتبط بالصحة الشخصية على حالتنا الصحية ... وبعض هذه العادات ذات التأثير الضار تؤثر على السلوك الصحي بطريقة غير مباشرة وذلك بمنع أداء الأشياء الصحية.

6-            الانفعالات غير العاقلة: نحب أحياناً التفكير في أنفسنا ككائنات عاقلة تتخذ القرارات والخطط يومياً، ويسيطر عليها العقل ... ولكننا نرى أحياناً أننا لسنا منطقيين بكل ما في الكلمة من معنى عندما نعطي أهمية لقوة انفعالاتنا غير العاقلة وتأثير العديد أو القليل من الحوافز في اللاشعور والإلحاح الذي يدفع قوة العادات.

7-            تعرض الفرد لمعلومات غير صحيحة عن الصحة: الحقيقة غير المشكوك فيها هي أن مقداراً كبيراً مما نعرفه عن الصحة أو المرض ومعظم ما يعرفه العديد من الناس كثيراً أو قليلاً ما يمتص بطريقة تصادفية بطرق غير منسقة أو غير مقصودة ... وحينما تتأمل كيف انتقلت العديد من المعتقدات الصحية من جيل لآخر ومن شخص لآخر ومن خلال مقالات في المجلات الواسعة الانتشار، وكيف أن الكثير من هذه المعتقدات ليس لها أساس من الحقيقة أو ربما في الحقيقة تتعارض مع الحقيقة العلمية.

8-            المؤثرات الاجتماعية الصحية على الفرد: ربما تكون المؤثرات الاجتماعية أقل وضوحاً، ولكنها مع ذلك قوية للغاية على تفكيره ومشاعره وتصرفاته التي تبذل بواسطة الناس بطريقة مباشرة إلى حد ما والذين لا يعرفهم شخصياً ولكنهم يشاركونه الخصائص الاجتماعية مثل أفراد جنسه وسنه وجماعته ومهنته ونفس ثقافته العامة.

9-            المؤثرات الثقافية الصحية على الفرد: إن أي شخص قد تربى أو عاش بين جماعة معينة من السكان، فإنه يشاركهم أوضاع حياة الجماعة، ويتعرض باستمرار لطرق تفكير الجماعة منذ طفولته ... وأسلوبه في التفكير ومشاعره وتصرفه فيما يتعلق بصحته أو للأمراض الموجودة أو المحتملة كل ذلك يتشكلون بثقافته الفرعية.

10-       المؤثرات الأسرية الصحية: تعتبر الوحدة الاجتماعية التي تؤثر التأثير العميق والمباشر علينا هي الأسرة ... وتأثيرها على الأطفال حتى بعد أن يصبحوا كباراً ويتركوا منزل الأسرة ليس من الصعب فهمه.

    كل هذه المؤثرات القوية والفاعلة في الجزء اللاواعي للإنسان، تضع على عاتق التوعية الصحية مسؤولية كبيرة وضخمة.  ومع التقدم الهائل لوسائل الاتصال، كان من الضروري على القائمين بالتوعية  الصحية استغلال هذا التقدم، حيث تلتقي أهداف التوعية الصحية وأهداف الإعلام الحديث. إذ أن "من بين وظائف وسائل الإعلام وأهدافها التوعية والإرشاد والتوجيه والتثقيف".

(1-3)              هذا الارتباط بين التوعية الصحية والإعلام، لا ينفي الارتباط بين التوعية الصحية وبين الطب (القاعدة المعرفية للتوعية الصحية) من جهة، وبينها وبين الطب النبوي من جهة أخرى. هذا إذا أردنا نجاحاً للحملات الإعلامية للتوعية الصحية في العالم العربي الإسلامي. ذلك أن طرق معالجة الأمراض وحل المشكلات الجسمية بواسطة الأطباء، كأي تجربة إنسانية، خضعت طوال التاريخ لحكم المجتمع عليه بأنه عمل أخلاقي أو لا أخلاقي، لذلك لابد وأن يتم كل عمل للطبيب في إطار المعتقدات السائدة، وإلا رفضها المجتمع. وأمثلة ذلك كثيرة منها ما أوردته إحدى الصحف المحلية تحت عنوان "فضائح التعقيم تشمل 1400 فنلندي" تفيد أن الفنلنديين الآن قد استهجنوا ما قامت به السلطات قديماً من تنفيذ 11 ألف عملية تعقيم قسرية بين الأعوام 1935 تاريخ صدور القانون وبين عام 1970 تاريخ إلغاء القانون.  مما يتبين معه أن المجتمع قد لا يستهجن عملاً طبياً في وقت ما ويكمله بقانون، كما أنه قد يستهجن نفس العمل في وقت آخر عندما يتغير معتقداته ومسلماته وأفكاره، ويصدر له أيضاً قانون!

لذلك نجد لكل مجتمع قوانين تضبط مزاولة مهنة الطب البشري والصيدلة، وتحديد إجراءات بعض العمليات مثل الختان، وإجراءات صرف بعض الأدوية مثل حبوب منع الحمل والعقاقير المهدئة، وتنظيم تداول الكحول ... الخ.

ومن أمثلة عدم تأثير الإعلام على الجماهير لأفكار غير نابعة من بيئتهم، ما نشرته إحدى الصحف المحلية (الأنباء) تحت عنوان "الموسيقى الغربية فشلت في دخول قلوب المصريين"، أنه رغم الاهتمام الرسمي النشيط بتنظيم حفلات موسيقية غربية وكلاسيكية راقية مثل أوبرا "عايدة" لفيردي التي أقيمت في الأقصر في أكتوبر الماضي (1997)، ورغم التكاليف الخيالية والإثارة،  فشلت الموسيقى الغربية في دخول قلوب المصريين. هذا عكس الحضور الكثيف لأمسيات الموسيقى العربية!

وهذا يثبت أن الفكر الفاعل هو الفكر النابع من المفهومات الأساسية عند الشعوب. وقد تكون هذه المفهومات في منطقة الوعي من أفراد الشعب، كما قد تكون في منطقة اللاوعي، ثم لا يلبث أصحابها أن يجدوا فيما يقوله المفكر أو المصلح ما يتفق مع اتجاهاتهم، فينضموا إليه ويجدوا في تعاليمه ما يسلط الضوء على الاتجاهات الغامضة لديهم.

والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم، منها ما حدث بين موسى عليه السلام وبين فرعون ورجاله من السحرة، فكانت أدلة نبوته عندهم ظهوره على سحرهم،  قال تعالى: "قالوا : يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى، قال: بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف أنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى، فألقى السحرة سجداً قالوا آمنا برب هارون وموسى .." (سورة طه: 65 إلى 70).

ومن أمثلة ذلك أيضاً اعتماد المعجزة البيانية (القرآن الكريم) وسيلة لمواجهة عرب الجاهلية الذين اشتهروا بالبلاغة والبيان في ذلك الوقت. ولا نحتاج إلى أدلة كثيرة في هذا الصدد،  فكل فكرة ناجحة حولنا تستقطب أكثر الناس، سنجد لها هوى من قبل في نفوس هؤلاء[v].

وتفسير ذلك أن "كل إنسان لديه عدد كبير من  الصور الذهنية،  وله ميول، فإنه يجب على رجل الدعاية الاستفادة من هذه الترسانة من المميزات واختيار أبسطها وأسهلها للتغيير، باعتبار أنها ستعطي أكبر قوة لاتخاذ السلوك المستهدف"[vi].

 

 

 



 المبحث الثاني : معنى التوعية الصحية

تمهيد

(2- 1)  يبدو أن الخوف هو أول دوافع التوعية. الخوف من الإضرار بالنفس، الخوف من وصول الأضرار التي أصابت الغير، إلينا.  فحب بقاء النوع والخلود غريزة بشرية، وأول ما شغل الإنسان منذ بدء الخليقة. لذلك كانت غريزة حب البقاء أو الخلود أول غريزة يستغلها الشيطان الرجيم ويغرر بها سيدنا آدم عليه السلام، قال تعالى:}فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين{ (الأعراف: 20و21)،  وقوله تعالى: }فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى{ (طه: 120).

كما أننا نجد "انه منذ اللحظة الأولى التي يولد فيها الطفل،  فإن كل شئ يؤدي من أجله يتجه نحو وقايته ضد الأضرار،  كما يتجه لترقية نموه البدني والعقلي. فالطعام الذي يتناوله ودرجة الحرارة التي تعد من حوله والملابس التي تلف حول جسمه الحساس، والاهتمام الدائم الذي يلقاه، كل ذلك يقصد به حمايته ضد الإصابة أو المرض، وعند ظهور شواهد عدم الراحة أو الألم فإنه يتم عرضه على الطبيب ليكشف عليه"[vii].

ولذلك عمل الإنسان منذ نزوله إلى الأرض إلى تجربة كل شئ يصل إليه علمه، وكل شئ تصل إليه يده، في مكافحة المرض، وقدم أولئك الذين يستطيعون حفظ عوامل النجاح وعوامل الإخفاق في ذاكرتهم وهم الأطباء.  الذين أخذوا يدونون ما يحفظون وما يجرون من تجارب، وما يحصلون عليه من النتائج وحفظ المفيد منها وترك الضار. وأنشأوا المدارس والمستشفيات لنقل هذه الخبرات[viii].

ولا شك أن حب الأقارب والخوف عليهم من أن يصيبهم مكروه من الغرائز الطبيعية.  فالقريب كما يعرفه ابن خلدون في مقدمته " هو من يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه، أو العداء عليه، ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك: نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا" وواضح أن من المعاطب والمهالك: الأمراض.

ولكن لم يطل الاحتفاظ وحصر أسرار الطب والمحافظة على الصحة بين الأقارب مدة طويلة.  فقد ذكر المؤرخون أن اسقليبوس"، وهو أول ما ذكر في التاريخ من الأطباء، قد أوعز إلى أبنائه ألا يعلموا أحداً غير أولادهم أسرار الطب. ولكن لم يلتزم أحد أحفاده وهو أبقراط بهذا الأمر، ورأى أن يذيع هذا العلم في جميع أنحاء الأرض، فاتخذ الغرباء وعلمهم الطب، بشرط واحد وهو إلا يخالفوا عهده ( قسمه المشهور)، واعتبر لذلك بحق أبو الطب"[ix].

ومن البشر فئة موهوبة غير الأطباء، ألهمها الله سبحانه وتعالى السلوك الخيّر من أجل المحافظة على النفس وتجنب الأمراض، فدعت الناس إليه، وألهمها نتائج السلوك الوبيل فحذرت الناس من مغبته. ويأتي في مقدمتهم الأنبياء والرسل. ويصور لنا القرآن الكريم مدى حرص النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وحزنه على الكافرين من قومه، إذ يدعوهم إلى السلوك القويم الذي يحفظ لهم صحتهم في الدنيا، ويضمن لهم الثواب في الآخرة، ولكنهم وضعوا أصابعهم في آذانهم. قال تعالى: } فلعلك باخع نفسك على أثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا{ (الكهف: 6)، وتفسير ذلك "(فلعلك باخع) مهلك (نفسك على آثارهم) بعدهم أي بعد توليهم عنك (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث) القرآن (أسفا) غيظاً وحزناً منك لحرصك على إيمانهم”[x]. وقوله تعالى: } قد جاءكم رسول من أنفسكم حريص عليكم ما عنتم بالمؤمنين رءوف رحيم{ (التوبة: 128). ولم يحصر دعوته صلوات الله وسلامه عليه على قومه، ولكن كانت دعوته رحمة للعالمين. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):"لن تؤمنوا حتى تراحموا". قالوا: "كلنا رحيم يا رسول الله". فقال:"ليست الرحمة أن يرحم الرجل قومه، إنما يرحم الناس جميعاً". وسنأتي على تفاصيل الطب النبوي في المبحث التالي.

معنى التوعية

(2-2)  وعي الحديث: يعيه وعياً حفظه، وأذن واعية[xi]. ووعي الحديث: حفظه وفهمه، ووعي الأمر: الإدراك على حقيقته، والوعي: الحفظ والتقدير والفهم، والواعي: الفقيه الحافظ الكيس[xii]. ووعي الحديث: قبله وتدبره وحفظه، والعامة تقول وعي فلان أي انتبه من نومه أو من غفلته، أوعى الكلام أو الشئ: حفظه وجمعه، الواعي فاعل الوعيّ: الحافظ الفقيه. وهو أوعى من فلان أي أحفظ وأفهم[xiii]. وعي= شعور (F) Conscience، (E) Consciousness. سيكولوجياً: إدراك المرء لذاته وأحواله وأفعاله إدراكاً مباشراً، وهو أساس كل معرفة، له مراتب متفاوتة في الوضوح. وتوعية (E) Enlightenment تعني تنوير، ومنها Enlighten[xiv]. وتعني ينور (ثقافياً أو روحياً) ويزيده علماً، ويُحرر من (الجهل والضلال)[xv]. وتعني:To shed light upon أنه يلقي نوراً، يوضح. كما يعني Illumines, edify, teach, inform أي يضئ، يحض على الفضيلة، ينور (بالعلم أو المعرفة).

وعليه، فالتعريف العام لمعنى التوعية هو تنبيه المستهدفين من عملية التوعية، قبل الإقدام على أي سلوك، بالأضرار التي قد تصيبهم من جراء هذا السلوك، وكذلك حضهم على الفضائل ليقوموا بها لما لها من آثار طيبة على نموهم النفسي والاجتماعي والجسمي.

معنى الصحة

(2- 3)  يرى بعض الباحثين أن مصطلح الصحة قديم، وقد أخذ معاني متعددة تبعاً لتعدد المجتمعات والتطور التاريخي، " ففي المجتمعات القديمة أي منذ حوالي 3200 عام قبل الميلاد وحتى عام ألف ميلادية، ركز المصريون واليهود واليونانيون والرومانيون على الكمال البدني وصحة البدن. واستمر التركيز على صحة البدن خلال القرن الثالث عشر حتى القرن السابع عشر الميلادي. وخلال هذه السنين المبكرة وبينما كان التركيز على الكمال البدني كان هناك استثناءات جديرة بالذكر، فمثلاً في أثينا القديمة كان التركيز على كل من الكمال البدني والروحي، وظهرت ثانية هذه العقيدة العريضة عن الصحة خلال القرن السادس عشر والسابع عشر، وفي خلال هذه الفترة كتب جون لوك "العقل السليم في الجسم السليم"، واستمر التركيز على الكمال البدني والخلو من المرض. وفي عام 1840 ميلادي وضع هوراك مان، كأول سكرتير لأول هيئة تربوية في الولايات المتحدة بولاية ماسشوستس تركيز آخر على أهمية الكمال البدني وأهمية التربية من أجل الصحة. وأخيراً ففي عام 1850،  ركز شاتوك في تقريره الحالة الصحية في ماسشوستس عن الحاجة إلى برامج وقائية وأوضح بأن الصحة أكثر من الخلو من المرض.  والصحة من ناحية الكمال المثالي،  والذي يتضمن العلاقة المتبادلة للكمال البدني والعقلي والاجتماعي لم تقدر حتى بعد الحروب الأولى والثانية"[xvi].

(2-4)     تضع وجهات النظر الحديثة عن الصحة تأكيدها على الفرد ككل وعلاقته مع المجتمع، ويميل (دون) Duun إلى توجيه الانتباه نحو هذه النقطة في مناقشته عن الصحة. وهدف الصحة الآن وفي منتصف هذا القرن لا يتطلب فقط الشفاء أو التخفيف من المرض، بل يتطلب أكثر من الوقاية من الأمراض، وبالأصح فهي تنظر للخلف لكي تكافح لأقصى كفاءة بدنية وعقلية واجتماعية للفرد، والعائلة والمجتمع.  ووجهة النظر هذه تنتشر حالياً ويهتم المجتمع ليس فقط بالشفاء وعلاج المرض أو بالوقاية من الأمراض، ولكن أيضاً وربما أكثر أهمية برفع مستويات التمتع بالصحة الجيدة. والصحة هي نتيجة تفاعلات بيئة الفرد البدنية وبيئته الاجتماعية، وتركيبه البيولوجي (البيئة الداخلية للفرد)... وتعتبر الصحة خاصية ديناميكية للحياة أكثر من أنها وجود ثابت، فليس أكثر من أن يفكر الفرد في أن يكون صحي أو غير صحي. وفي الواقع تتغير الصحة خلال أي وقت على امتداد الكمال المثالي إلى مستوى منخفض للحالة الصحية.  فقد يقوم الفرد بوظائف عادية خلال اليوم بدرجات متفاوتة من الكفاءة،  ويعتمد ذلك على عدة عوامل تؤثر على حالة سعادته، والسعادة تتغلب على استمرار الصحة، وعلى الأصح البقاء في حالة سكون في أي نقطة ... وفي الحقيقة فإن الصحة ليست فقط الكمال البدني أو العقلي أو الاجتماعي،  ولكن اتحاد هذه العوامل الثلاث واتصالهم فيما بينهم اتصالاً ديناميكياً.  والفرد يؤدي وظيفته ككل أو كوحدة مندمجة مع كل بعد من أبعاد الصحة،  ويتأثر بكل من الأبعاد الأخرى.  فمثلاً، اعتلال صحة البدن له تأثير على حالة الفرد النفسية وعلاقاته الاجتماعية، ولمظاهر الجسدنفسية (السيكوماتيك) للصحة توضح العلاقة الديناميكية بين الأبعاد الثلاثة للصحة. والفرد الذي ينزعج من الخلافات والضغوط الاجتماعية والانفعالية سوف يصاب باعتلال في البدن مثل ضغط الدم العالي أو بقرحة في المعدة"[xvii].

(2-5 )    وتؤكد د. نادية رشاد هذا المعنى الأخير في وصفها للصحة Health علمياً بأنها "الحالة الناتجة من التفاعل الكلي للفرد مع بيئته والتي تمكنه من الحياة بفاعلية ونجاح.  كذلك هي الحالة البدنية والعاطفية والذهنية التي تمكن الفرد من الحياة بنجاح واستمتاع.  وقد عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها "حالة التكامل البدني والعقلي والنفسي والاجتماعي وليست فقط الخلو من الأمراض والعاهات"[xviii].

(2-6)  وإذا كانت برامج صحة المجتمع تهدف إلى: توفير بيئة صحية وسليمة، وإتاحة الوسائل والمصادر والخدمات الضرورية للمحافظة على صحة الأفراد، وحث الأفراد على السلوك الواعي والذكي والمسئول لأمان ورقي صحتهم وصحة أطفالهم[xix]. فإن التوعية الصحية في العصر الحديث تقف جنباً إلى جنب مع الطب والخدمات الصحية.

التوعية الصحية

(2-7) أغلب الظن أن توعية المجتمع ضد الأمراض قد نشأت، كما يذكر المؤرخون، في المجتمعات الحضرية منذ ما يقرب من خمسة أو ستة آلاف سنة مضت. "وقد أوحت الحفريات التي أجريت في وادي الإندس Indus والصين ومصر وأمريكا اللاتينية بأنه بتزايد عدد الناس وبداية تقاسمهم لكل من فوائد الفعل المدني وبؤس الإهمال المدني، نشأت مشاريع تخزين الأطعمة والهندسة الصحية وتخطيط المدن. وهناك المزيد من الأمثلة الأحدث عن الوعي بالصحة العامة في العالم القديم لا يزال باستطاعة السائح مشاهدتها في تلك الآثار كالحمامات وقنوات جر المياه الإغريقية والرومانية. وقد حاولت سمات كثيرة لبعض أكثر الديانات قدماً ، كالهندوسية مع الهاتايوجا التي تنطوي عليها، والطاوية وما يتبعها، واليهودية بقواعدها الغذائية والجنسية، والمسيحية بتأكيدها على قيم المحبة والإيثار، أن ترشد الجنس البشري إلى أسلوب في السلوك يكون صحياً من الوجهتين البدنية والعاطفية. إن قواعد الصحة العامة المعروفة اليوم موجودة في التراث الثقافي لجميع الشعوب. وقد تشكلت معظم المثل العليا البيئية والسلوكية للبشرية قبل انبثاق الثورة العلمية والتقانية في القرن الماضي بزمن بعيد. كما أن العلم والتقانة أيضاً كانا قد وجدا منذ أقدم العصور، غير أنهما نادراً ما كان يطبقان على صحة الإنسان، التي كانت تعتبر خارج نطاق توجههما المادي"[xx].  كما أن الأفكار العامة عن الصحة والتدابير الوقائية التي ظهرت ما بين عامي 1400 و1200 ق.م، حيث تسجل عظام الوحي (وهي أقدم أشكال الكتابة الصينية) رش الماء لإزالة الأتربة، والكنس والتخلص من الحشرات، كما تسجل وجود زرائب وحظائر للحيوانات المنزلية ومراحيض وخنادق للصرف في ذلك الوقت. وكلها تبين التدابير التي وعيّ بها المجتمع لتجنب الأمراض في هذا الزمن البعيد[xxi].

(2-8)  وإذا كانت التوعية الصحية مرتبطة بمفهوم الصحة، وكان مفهوم الصحة قد تعدد واختلف بين مجتمع وآخر، وبين فترة تاريخية وأخرى.  إذن سنجد مفاهيم عديدة للتوعية الصحية. منها ما تدعو إليه هذه الدراسة، وهو وضع مفهوم للتوعية الصحية انطلاقاً من أهم الثوابت الاجتماعية في المجتمعات العربية، ألا وهو الدين الإسلامي، وذلك من خلال الطب النبوي.



المبحث الثالث: نحو مفهوم إسلامي للتوعية الصحية

تمهيد

(3-1) تذكر الوثائق الصحية بأن كثير من المعتقدات في المجتمعات التقليدية صحيحة، "فالأفعال الإيجابية وطرق اجتناب المرض التي تمثل الطب الوقائي في المجتمع التقليدي غالباً ما تختلف إلى حد كبير عن وسائل الطب العلمي الوقائي، ولكنها بالدرجة نفسها من العقلانية (وإن لم تكن دائماً بالدرجة نفسها من الفعالية) من حيث كونها مرتبطة بما يعتقد أنه سبب المرض"[xxii].  كما تذكر أن قواعد الصحة العامة المعروفة اليوم موجودة في التراث الثقافي لجميع الشعوب كما ذكرنا سابقاً (2-7). وكثير من تلك القواعد الصحية التي تركها الأطباء القدماء مازالت محفوظة ومتبعة حتى الآن مثل ما قاله ابقراط : "كل مرض معروف السبب موجود الشفاء"، و"إنما نأكل لنعيش، لا نعيش لنأكل"، "ويتداوى كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة تفزع إلى عاداتها"[xxiii]. وما تركه الأطباء العرب مثل:"المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، و"لا تتداوا ما احتمل بدنكم الداء، لأن الدواء لا يُصلح شيئاً إلا  أفسد مثله"[xxiv]، و"الوقاية خير من العلاج" الخ. وقد تشكلت معظم المثل العليا البيئية والسلوكية للبشرية – كما ذكرنا سابقاً (2-7) قبل انبثاق الثورة العلمية والتقانية في القرن الماضي بزمن بعيد،  كما أن العلم والتقانة أيضا كانا قد وُجدا منذ أقدم العصور، غير أنهما نادراً ما كان يطبقان على صحة الإنسان، التي كانت تعتبر خارج نطاق توجههما المادي. ومازال الكثيرون من الممارسين التقليدين اليوم يولون أهمية أكبر للجوانب الروحية والعاطفية للصحة بالقياس إلى ما يولون العوامل المادية.

(3-2) قد ذكرنا سابقاً (2-7) أن أكثر الديانات قدماً كالهندوسية والطاوية واليهودية والمسيحية قد أرشدت الجنس البشري إلى أساليب في السلوك الصحي من الوجهتين البدنية والعاطفية. كما أن الاتجاه الفكري الذي يذهب إلى أن "سبب وجود هذه الصناعة (الطب) وحي وإلهام " اتجاه معروف لدى الباحثين منذ القدم.

(3-3) كما ذكرنا سابقاً (2-8) أن هدف هذه الدراسة هو وضع مفهوم للتوعية الصحية يناسب قيم المجتمع العربي الإسلامي. وذلك انطلاقاً من ضرورة توافق المعلومات مع الثوابت الاجتماعية للمجتمع المستهدف لتحقيق أقصى فائدة من الرسالة الإعلامية.

(3-4) لذلك كله، سأقتصر البحث في هذا الفصل على التفصيل في ارتباط التوعية الصحية بالدين الإسلامي، الطب النبوي بالتحديد، ونتائجه، وذلك لأهميته بالنسبة لنا كمسلمين معنيين بموضوع البحث، ويبرره أن الدين الإسلامي بتوجيهاته كان عاملاً رئيسياً، بل وحيداً في بعض الأحيان كما سنرى لاحقاً (2-6)، في تجنيب المجتمع المسلم من الأمراض الخطيرة المنتشرة في المجتمعات الأخرى غير الإسلامية، وعلى سبيل المثال لا الحصر الدراسة التي أجرتها د.نادية محمد رشاد، وأثبتت فيها أن الدين وتجنب المشاكل القانونية من الأسباب الرئيسية لعدم استعمال العقاقير المخدرة. ويبرره كذلك "تعاليم الإسلام كدين وبين الطب كعلم يبرره اهتمام الإسلام خاصة بهذا اللون من المعرفة الإنسانية ذات التطبيقات العلمية التي تتلاءم مع ما جاء به الإسلام من توجيهات وتخطيطات في الحقل الحضاري وخاصة الاجتماعي، وهذا هو ما فسح المجال لرجالات العلم من المتكلمين وأصوليين ومحدثين للإسهام في هذا المجال الذي يعتبره البعض خاصاً موغلاً في التخصص في حين أن الإسلام يعتبره أشد علاقة من كل المؤشرات الاجتماعية لأنه يكيف المجتمع ويسهر على سلامته المادية التي تعزز سلام الروح الموكولة إلى علماء الدين بل أن المنهج الرئيسي الذي سار عليه الإسلام وطبع تعاليمه بكثير من اليسر والمرونة هو المبدأ القائل بأن (حفظ الأبدان مقدم على حفظ الأديان)... ومن الأقوال العربية التي اشتهرت (لا تستوطن إلا بلدة فيها سلطان قاهر، وطبيب ماهر، ونهر جار، وقاض عادل، وسوق قائم).

(3-5) وأعني بالطب الإسلامي، كل النصوص التي تهدي إلى الصحة في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية الشريفة أولاً، وأقوال صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثانياً، وما تركه المفكرون الإسلاميون من فلاسفة وصوفية وفقهاء من أفكار ومناهج تتفق مع أصول الشريعة ثالثاً.  قال تعالى:"وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله" (الشورى:72). و " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"(آل عمران: 31). "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه" (التوبة: 100).

مميزات الطب النبوي

(3-6) يتميز الطب النبوي، بما تضمنه من توعية صحية، وعلاج لبعض الأمراض، بما يلي:

1-    حثه على التداوي واللجؤ إلى الأطباء،  بجانب إتباع أوامره ونواهيه التي تعتبر توعية صحية.
2-    سبقه التجارب العلمية الحديثة.
3-    تبني التطبيب به الأطباء والحكماء.
4-    مسؤولية الدولة عن الرعاية الصحية لأول مرة في التاريخ.
5-    الشمولية الذي يقترب من الإعجاز، وسبقه كل الحضارات السابقة. 
6-    أثره في إبداع العلماء والمفكرين الإسلاميين في مجال الطب والخدمات الصحية.

          وأتناول هذه النقاط بالتفصيل فيما يلي:

1- حثه على التداوي  واللجؤ إلى الأطباء:
    ويعزى للإسلام منعه لطرق الاستشفاء بالرقيّ والتعاويذ،  وأجازته من الطب ما وجده موافقاً للشرع والتجربة.  كتب في ذلك د. عبد الرزاق الكيلاني، أن العرب قبيل فجر الإسلام كانوا يستشفون بالرُقي والتعاويذ، وكان أكثرها بأسماء أصنامهم وآلهتهم، يلقي بها إليهم كهنتهم وسدنة أصنامهم، لذلك منع النبي (صلى الله عليه وسلم) جميع رقي الجاهلية، ثم قال لهم : "اعرضوا عليّ رقاكم" فما وجدها موافقة للشرع الإسلامي أجازها، وما وجدها مخالفة له ردها ... أما وسائل علاجهم الطبيعي فأخذ منها ما ثبتت فائدته عنده كالماء البارد، والتكميد والحجامة والكي ... أما أعشابهم فأخذ منها ما ثبتت فائدتها عنده أيضا نتيجة لاستعمالها أو لسماعه ممن استعملها كالسنا والسنوت والقسط الهندي والحبة السوداء وغيرها ...  وكانوا يتعالجون بوسائل العلاج الطبيعي وتأثروا بمدرسة جُند يسابور الفارسية ودرس بعض أطبائهم وتخرجوا منها وعلى رأس هؤلاء الحارث بن كلدة أخو ثقيف الذي عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يُقره على طبه، ويقول لأصحابه إذا مرضوا : عليكم بالحارث بن كلدة فإنه رجل يتطبب".

2- سبقه التجارب العلمية الحديثة:
    يتميز الطب النبوي بإمكانية خضوعه للتجربة العلمية للتحقق من صحته، ذلك أن "إخضاع كل هذه المأمورات أو المنهيات لتجربة علمية برهنت مع الزمان على مثيلتها، فقد بدأنا نلمس فعلاً صحة ما كنا نؤمن به غيباً حول ما ورد من تعاليم حول نظام التغذية في الإسلام والوقاية الصحية ومكافحة الغوليات والمخدرات مع العمل الموازي من أجل تربية النفس التي تشكل دعامة الأمراض العصبية التي دلت الإحصائيات على أنها تمثل أكثر من تسعة أعشار الإصابات البشرية".

    ويؤيد ذلك،  قول غوستاف لوبون أن "العرب عرفوا جيداً أن علم الصحة يعلمنا  طرق الوقاية من الأمراض، التي لا يستطيع الطب شفاءها،  وكانت مناهجهم الصحية طيبة منذ القديم، وما أمر به القرآن من الوضوء والامتناع عن شرب الخمر، ثم ما سار عليه أبناء البلاد الحارة من تفضيل الطعام النباتي على الطعام الحيواني غاية في الحكمة، وليس فيما نسب إلى النبي من الوصايا الصحية ما ينتقد".
   
    وكذلك قول الدكتور عبد العزيز إسماعيل: إن كثيراً من الأوامر الدينية لم تظهر حكمتها، وستظهر مع تقدم العلوم ... فلقد ظهر أن الصيام يفيد طبياً في حالات كثيرة، وهو العلاج الوحيد في أحيان أخرى".

   وكذلك تفصيل د. أنور المفتي لحكمة الإفطار على التمر بعد الصيام حيث يذكر: إن الأمعاء تمتص الماء المُحلى بالسكر في اقل من خمس دقائق، فيرتوي الجسم، وتزول أعراض نقص السكر والماء فيه. في حين أن الصائم الذي يملأ معدته مباشرة بالطعام أو الشراب يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات حتى تمتص أمعاؤه ما يكون في إفطاره من سكر. وعلى هذا تبقى عنده أعراض ذلك النقص، ويكون - حتى بعد أن يشبع - كمن لا يزال يواصل صومه. وبهذا يكشف لنا الطب الحديث حكمة التوجيه النبوي الكريم في الإفطار على التمر أو الماء حين قال: "إذا افطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة. فإن لم يجد فالماء فإنه طهور" (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان).  والأمثلة كثيرة سنذكر كل منها في موضعها.

3- تبني التطبيب به الأطباء والحكماء: وقد ذكر سابقاً أمثلة من تبني المسلمون أطباء وعلماء في فروع شتى كل التوجيهات الإلهية لحياة صحية سليمة، من عناية بالبدن، ومن العناية بالنفس والعقل، ومن عناية بالأسرة وبالنظافة الشخصية والبيئية، وغيره وغيره الكثير (2-7).

4- مسؤولية الدولة عن الرعاية الصحية لأول مرة في التاريخ:
    اعتنى المسلمون بكل العلوم التي تحتاجها البلاد ومن ضمنها الطب وجعلوها من مسؤوليات الدولة لأول مرة في التاريخ، فمسؤولية الدولة (ولاة الأمر) عن توفير الرعاية الصحية لأفراد المجتمع لم يكن موجوداً قبل الحضارة الإسلامية، وسبق المسلمون في هذا المضمار حتى الحضارات اللاحقة عليها.    كما يعزى للإٍسلام إقرار حق كل إنسان، فقيراً كان أو غنياً، في العلاج حيث كان الطب قبل الإسلام يقتصر على علاج الملوك والحكام وأسر الأغنياء، ولكن التقاليد الإسلامية غيرت كل هذا وأصبح العلم لأول مرة في خدمة الإنسان سواء كان غنياً أو فقيراً.
   
وفي العصر الحديث وبعد تجربة تولي القطاع الخاص لهذه المهمة، أصبح التوجه بضرورة تولي الدولة لهذه المهمة يأخذ مكانه الحقيقي. "ذكر أحد المشاركين في ندوة “الآثار الاجتماعية للتصحيح الاقتصادي في الدول العربية أنه "بالاعتبار بالتجربة التاتشرية في بريطانيا، حيث ثبت أن مستوى الخدمات الصحية والتعليمية قبل عهد سياسات التخصصية كان أفضل مما أدت إليه تلك السياسات... وكذلك بالتجربة الأمريكية حيث يتصاعد الآن تيار يدعو إلى تولي الدولة مسؤوليات أكبر في مجال الخدمات الصحية بعد عهود طويلة من سيطرة القطاع الخاص على هذه الخدمات".

وقد ذهب جمع من علماء التفسير إلى أن قوله تعالى: )إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها( (النساء:58) خطاب منه تعالى لولاة المسلمين خاصة .. أما أداء الأمانات فيشمل كل ما يناط بالولاة مما فيه جلب النفع للرعية، ودفع الضر عنهم، سواء في ذلك أمور الدين والدنيا ... ومن ذلك حماية حمى التوحيد وكل ما يمس العقيدة ... وتحقيق الأمن الصحي والغذائي والثقافي للرعية"[xxv].  كما اعتبر فقهاء الإسلام "العلوم والصناعات فروض كفاية، ومنها علم الطب، ودراستها عبادة لله تعالى، وأنه يتعين على ولي الأمر أن يدبرها في المجتمع لأن فقدان أي منها يسبب حرجاً للمسلمين. ومن هذا المنطلق شرع المسلمون منذ العصر الأموي في الاستفادة من علوم الأمم السابقة على اختلافها".

كما فسر بعض الفقهاء حديث  "طلب العلم فريضة على كل مسلم" بأن الفرض نوعان: فرض عين،  وفرض كفاية.  ففرض العين: ما يتعين على كل أحد إقامته، نحو أركان الدين، ولا يجوز له ترك هذا الفرض، لتصح عبادته.  وفرض الكفاية: ما إذا قام به بعضهم، سقط عن الباقين،  لحصول المقصود، وإن اجتمع الناس على تركه، كانوا مشتركين في المأثم.  فالعلوم وأصول الصناعات المختلفة، التي عليها قوام المجتمع، لتأمين راحته، وتدبير عيشه، وحفظ صحته، وتعمير بلده، والدفاع عن حقه، كلها من فروض الكفاية، يجب أن يكون في الأمة من يحسنها، ويعانيها، وينشرها بين الناس، ومنها الطب.  فالطب من العلوم التي عني بها المسلمون، لتستقيم لهم أمور دينهم ودنياهم، وعلى الأمة أن تُعِدّ من أبنائها من يعاني هذه الصناعة.  كثير من الناس لا تتهيأ لهم الفرص على تعلم العلوم والصناعات، ومنها الطب، وعلى الأمة أن تهيئ لهم الفرص، فتتولى رعايتهم والإنفاق عليهم،  فتسهل لهم تعلم الطب، ليخدموا المجتمع بمعاناة هذه الصناعة المهمة، في تدبير صحتهم، ومعالجة مرضاهم، وهذا هو تأميم الطب الذي تدعو إليه الأمم في عصرنا.  وعلى الشخص الذي أنفق عليه المجتمع، وسهل له طلب العلم، أن يوقف نفسه لرعاية صحة أبناء دينه، الذي تولوه وعاضدوه، وإذا قصّر في هذا، فإن الإثم يقع عليه لأنه لم يوف المجتمع حقه"[xxvi].     وتطبيقاً لهذا التوجه بدأ الخلفاء المسلمون منذ العصر الأموي الاهتمام بهذه الصناعة، فقد اعتبر فقهاء الإسلام "العلوم والصناعات فروض كفاية، ومنها علم الطب، ودراستها عبادة لله تعالى، وأنه يتعين على ولي الأمر أن يدبرها في المجتمع لأن فقدان أي منها يسبب حرجاً للمسلمين. ومن هذا المنطلق شرع المسلمون منذ العصر الأموي في الاستفادة من علوم الأمم السابقة على اختلافها"

وأحاط الفقهاء هذا التوجه بإطار نظري.  فقد لُخصت مقاصد الشريعة الإسلامية في خمس : حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال.  ثلاثة منها تخص سلامة جسم الإنسان وهي العقل والنفس والنسل، والاثنان الآخران يعتمدان على سلامة جسم الإنسان، فلا حفظ للدين ولا للمال إلا بمسلم قوي صحيح.  كما ذهب حجة الإسلام الغزالي إلى تقديم صحة البدن على العبادة :"نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن،  فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية.  فنظام الدنيا شرط لنظام الدين"[xxvii]  واستندوا في ذلك على أحاديث للرسول (صلى الله عليه وسلم) مثل: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير"،   و"من بات آمنا في سربه، معافى في بدنه عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"وغيرها.

5- تميزه بالشمولية :
    ومما تميز به الطب النبوي شموليته وتوسعه، حتى ارتبطت كل حركة يقوم بها الإنسان بحديث وتوجيه.  كما وبقدر تعدد الأمراض، وبالتالي تعدد مسبباتها، تعددت طرق الوقاية منها في الطب النبوي، الذي أولاه المسلمون عناية عظيمة.  فقد "اعتنى الإسلام بفروع الطب المختلفة الوقائي والعلاجي والتأهيلي. ففي المجال الوقائي أفردت الأحاديث النبوية الكثير من أقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) التي اهتمت بالوقاية حفظاً للصحة في مجالاتها المتعددة من النظافة بكل صورها إلى تنظيم الأكل والشرب والعادات والتقاليد التي هي المدخل الحقيقي للصحة... أما الجانب العلاجي فإن الإسلام أباح الطب والطبابة والرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بالمداواة والبحث عنها في قوله : يا عباد الله تداووا فإن الله لم يخلق داء إلا خلق له الدواء علمه من علمه وجهله من جهله.  وفي مجال التأهيل أمرنا بالبحث فيه وقد أباح لأحد الصحابة أن يضع جزءاً من ذهب على أنفه التي فقدها أثناء إحدى الغزوات".   كما أصبحت "السنن النبوية أقوالاً أم أفعالاً هي التي عليها المعول في تنظيم حياة المسلمين ... واسم الله على الشفاه في كل وقت وحين، عند الطعام، والشراب، والصحو، والنوم".

7-    أثره في إبداع العلماء والمفكرين الإسلاميين في مجال الطب والخدمات الصحية:
لا شك أن الإنجازات التي انطلقت بالجديد في مجال الطب والخدمات الصحية في الحضارة الإسلامية، تعود بالدرجة الأولى إلى الروح الإسلامية التي تغلغلت في نفوس المسلمين بدءاً من الخلفاء وانتهاء إلى العاملين في كل المجالات الإنسانية وخاصة الطب. والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها:
-         بفضل الإسلام، نظر أطباء الإسلام إلى الإنسان بأنه مؤلف من بدن وروح، وليس من بدن مساري فقط.
-         بفضل تعاليم الإسلام في احترام الشيخوخة ورعايتها، عكف أطباء المسلمين على ابتكار طب المسنين ... وكان أول من أشار إلى ذلك ابن سينا في كتابه القانون.
-         وبفضل تعاليم الإسلام اكتشف علماء المسلمين أول تخدير في الجراحة.  فقبل الإسلام كانوا يستعملون الخمر. ثم جاء المسلمون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخمر كدواء مخدر، فقال: إنها داء وليست دواء... ومن هنا اجتهد أطباء المسلمين في إيجاد المخدر البديل للخمر. وتقول المراجع العلمية أن المسلمين أول من استعمل التخدير الحقيقي مع فقدان الوعي قبل الجراحة، وذلك باستعمال "القناب العربي".
-         بفضل حث الإسلام على التكافل، انتشرت مؤسسات الإغاثة، والعناية والمستشفيات المجانية. ولم يقتصر على توفير الأطباء والأسرة والأدوية، كما هو الحال في العصر الحديث، بل تعدى إلى رعاية المرضى بعد الشفاء والخروج من المستشفى. هذا بجانب توفير المستشفيات ودور الرعاية للمرضى الدائمين بالأمراض التي لا براء منها مثل الجذام والأمراض العقلية.

جوانب التوعية الصحية في الطب النبوي

(2-7) نتيجة للميزات التي تميز بها الطب النبوي، عكف المسلمون أطباء وعلماء في فروع شتى، على دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية، ليضعوا بين أيدينا رصيداً ضخماً من التوجيهات الإلهية لحياة صحية سليمة، من عناية بالبدن، غذاء وصوماً ورياضة، ومن العناية بالنفس والعقل، ومن عناية بالأسرة وبالنظافة الشخصية والبيئية، وغيره وغيره الكثير. تمكّن القائمين بالتوعية الصحية والإعلام الصحي من الاستعانة بها بعد إعدادها لتلائم الجماهير المستهدفة. نورد بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر، وعلى من يريد الاستزادة في هذا المجال الرجوع إلى المراجع الأساسية.

1- جانب العناية بالبدن

بادئ ذي بدأ، لا يهدف الإسلام من اهتمامه بالبدن إلى إشباع حاجات هذا البدن أو تلبية نداءاته الغريزية، بل لتكون وسيلة لهدف أسمى وهو أداء الإنسان لرسالته في الحياة عبادة ومعاملة، إنتاجاً وجهادا.  ففي الوقت الذي يأمر فيه بالأكل والشرب ينهي عن الإسراف، قال تعالى:" كلوا واشربوا ولا تسرفوا" (الأعراف: 21). وكما أنه لا يحرم على المسلم التمتع بالطيبات، أمره بالصوم شهر واحد (على الأقل) في السنة، ولفترة محددة من النهار فيه.  قال تعالى: “كتب عليكم الصيام" (البقرة: من الآية 183)، وقوله تعالى: "وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ" (البقرة: 187). وفي الوقت الذي يأمر فيه بعدم إرهاق البدن بالعبادات أو العمل الشاق، يأمره بالرياضة والحركة، فالتشريعات الإسلامية في الأغلب الأعم وسط لا تفريط ولا إفراط. ونفصل ذلك في النقاط الآتية:
أ) الغذاء         ب) الصوم         ج) الرياضة             د) الرفق بالجسم

أ) أهمية الغذاء الصحي:
ذكرنا فيما سبق (2-6/4) حرص الإسلام على سلامة الجسد البدن، وسلامة البدن تتطلب غذاء صحياً حسناً في اختياره، ودقة في مواعيده، وتحرياً لكل ما يسبب له الضرر. وقد روى في بعض الآثار أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : "غذ ولدك سبعا، وأدبه سبعا، وصاحبه سبعا". وقد جاء في المواهب: كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يراعي صفات الأطعمة وطبائعها، ويراعي استعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى تحسين وتعديل لحرارته كسره وعدله، وهذا أصل كبير في المركبات والأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة داعية من غير إسراف.

كما روى البخاري في صحيحه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (رض الله تعالى عنها) في كتاب الأذان، وعن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) في كتاب الأطعمة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء"... ويوضح د. عبد الرزاق الكيلاني مغزى هذا التوجيه النبوي في قوله: "عندما يوضع الطعام - وخاصة إذا كان المرء صائماً- تبدأ العصارات الهاضمة - ومن جملتها اللعاب - بالإفراز، وذلك بمجرد رؤية الطعام أو شم رائحته، وتسيل عصارة المعدة، وتنتظر وصول الطعام إليها، وفي هذه العصارة حامض كلور الماء وخميرة الببسين اللذان يتوليان هضم اللحم والآحينات، فإذا تأخر وصول الطعام إلى المعدة قد تؤثر هذه العصارة المتدفقة في جدران المعدة، إذا كان ثمة ضعف فيها، أو في جدران بصلة العفج (أي القطعة الأولى من الأثنى عشري) وتحدث قرحة فيها، أو قد يضعف إفراز العصارة المعدية بعد ذلك إذا وجدت أن التنبيهات التي تأتيها تنبيهات خاطئة، فيصاب المرء بعُسرة الهضم. لذلك يكون من الأفضل، إذا وضع الطعام وحان وقت الإفطار أن يفطر الصائم على تمرات أو على شراب حلو أو على كليهما - ليشغل المعدة مؤقتا - ثم يصلي المغرب، ويعود بعد ذلك إلى إكمال طعامه، فيكون قد جمع بذلك بين تعجيل الفطور وبين صلاة المغرب في وقته قبل دخول وقت الكراهة.   كما روى البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) قال قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "ألم أخبر انك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت : بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وافطر. وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدهر كله، فشددت فشدد علي، قلت : يا رسول الله إني أجد قوة ؟ قال : فصم صيام نبي الله داود (عليه السلام) ولا تزد عليه، قلت : وما كان صيام نبي الله داود (عليه السلام) ؟ قال: نصف الدهر، فكان عبد الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي (صلى الله عليه وسلم)... هذه الأحاديث الشريفة بيان عملي من النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أمته بالتيسير، وحفظ الصحة، والوقاية من الإرهاق والتعب الذي قد يؤدي إلى المرض.

"والغذاء عامل أساسي في نمو الجسم وحفظ الصحة، ووقايته وشفائه، ودوام الحياة الفعالة لا تكون إلا بحسن الغذاء للجسم، (وسخر لكم ما في الأرض جميعا)،  واستغلال ما سخر لنا - جلّ وعلا - يتطلب جسماً قوياً، وعقلاً سليماً، وفعالية مستمرة، وفكراً مدبراً لما يقوم به من الأعمال التي يعانيها.  والطعام المعتدل يساعد الجسم على الاستغلال والاستفادة مما سخره الله لنا، وتدبير الحياة لما فيه سعادة الدارين. والإنسان العاقل يوازن بين ما يحتاجه من طعام وشراب، وما يعانيه من أعمال، وإلا ساءت صحته وأثرت في عمله.  فالمسلم يتجنب ما حرم الله، ويأكل من طيبات ما رزقه، قال تعالى: )يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون( (سورة البقرة : 172). )إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله( (سورة البقرة : 173).  يتمتع بالطيبات في الأكل والشرب والزينة )قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق( (سورة الأعراف : 32) ، ويتجنب الخبائث التي تفتك بجسده.  يعتدل في تناول طعامه وشرابه )كلوا واشربوا ولا تسرفوا( (سورة الأعراف : 21).  فإذا قصر في طعامه، أو أسرف في تناوله، أثر في نشاطه، وحد من عمله.  قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما ملاً جوف ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم آكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه"... ويقول الفاروق (رضي الله عنه) : "إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للجسم، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد، فإنه أصلح للجسد، وأبعد عن السرف، وأن الله يبغض الحبر السمين".

ولم يقتصر حرص الإسلام في اختيار نوع الغذاء وتحري فوائده، إنما تعدى ذلك إلى كيفية تناوله فيما سمي بعد ذلك بآداب الطعام ... يظهر لنا نوع من المقابلة بين آداب الصلاة أو شعائرها وبين آداب الطعام.  فكما أن التطهر بالغسل أو النظافة بالوضوء كان يسبق أداء الصلاة، كذلك كانت نظافة الأيدي والفم تسبق البدء بالأكل،  بل زاد الأمر من حيث ما كان يجب من النظافة بعد الطعام أيضا .. فالحديث النبوي يقول: “الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعد الطعام ينفي اللمم “أي الجنون.

وقد أظهر الأدباء المسلمون والعرب عناية فائقة بآداب الطعام. فقاموا بتسجيل الوقائع الدالة على ذلك في ما ذكروا من نوادر وقصص، يبدو فيها أثر التوجيهات الإسلامية واضحة، في الدعوة إلى الاعتدال في المأكل أو المشرب. من ذلك ما ذكره الجاحظ : "كان أبو عثمان الثوري يُجلس ابنه معه ويقول له: أي بني، عود نفسك الإيثار، ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السباع... ولا تخضم خضم البراذين... ولا تدمن الأكل إدمان النعاج .. ولا تلقم لقم الجمال، فإن الله جعلك إنساناً، فلا تجعل نفسك بهيمة.  البراذين جمع برذون من الفصيلة الخيلية عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر. والخضم: الأكل بجميع الفم أو بأقصى الأضراس.

ومن ذلك أيضا ما قاله الأصمعي :" جمع هارون الرشيد من الأطباء أربعة: عراقياً، ورومياً، وهندياً، ويونانياً، فقال : ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء معه. فقال العراقي: الدواء الذي لا داء معه: حب الرشاد الأبيض. وقال الهندي: الهليلج الأسود، وقال الرومي: الماء الحار. وقال اليوناني، وكان أطبهم: حب الرشاد الأبيض يولد الرطوبة، والماء الحار يرخي المعدة. والهليلج الأسود يُرق المعدة. لكن الدواء الذي لا داء معه: أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه. وتقوم عنه وأنت تشتهيه".

ب) أهمية الصوم:
          فرضت الشريعة الإسلامية الصيام، قال تعالى:" شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه .." (البقرة: 185).

          ولكنها لم تأمر بصوم الدهر، ولكن لأيام معدودة محددة، قال تعالى:"اياماً معدودات ..." (البقرة:184)،  لما في صيام الدهر من إضعاف للمسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد بعض المغالين إلى الاعتدال: "أما أنا فأصوم وأفطر، واصلي، وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

روى البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - عن أبى جحيفة، قال: "آخى النبي(صلى الله عليه وسلم) بين سلمان وأبى الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة(لابسة ثياب المهنة والعمل) ، فقال لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كُلْ،  قال: فإني صائم. قال (أي سلمان) ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكلن فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم (أي يصلي قيام الليل) قال: نمُ، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى (أي أبو الدرداء) النبي (صلى الله عليه وسلم) فذكر ذلك له، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) : صدق سلمان". وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم :"وإن لجسدك عليك حقاً[xxviii].  وقد مر حديث "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء" (2-7 /1/أ).

          والإسلام يراعي في الصيام الحاجات البدنية الفسيولوجية، كما يراعي الحاجات النفسية. كما أنه يهدف من الصيام تمرين النفس لتتعالى عن غرائزها الحيوانية وتهذبها. فهو يدعو المسلم إلى عمل الخيرات، فيساعد الغني الفقير، والقوي الضعيف. كما يدعوه إلى أن يكون أكثر سماحة ولطفاً حتى مع الغلاظ.  وإذا لم يحقق الصيام هذه الأهداف النبيلة، تعتبر كأن لم تكن.  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

هذا، وقد عدد العلماء والأطباء العرب وغيرهم فوائد الصيام، نذكر منها ما ذكره الدكتور أحمد عبد العزيز إسماعيل، أستاذ الأمراض الباطنية بطب القاهرة، حيث قال: لسنا في مجال شرح الحكمة من الصيام، فلا يعلم سرها إلا الله!  لكني أريد أن أشير إلى أن الصيام هو خير علاج لتصلب الشرايين حيث يقلل نسبة الكولسترول في الدم، وهو المادة المسببة للتصلب!  وأن الصيام في الإسلام - كما سنه الرسول (صلى الله عليه وسلم) - أي الإفطار على اقل شئ، وليكن تمرة، والسحور على أكل خفيف هو خير علاج للبدانة، وارتفاع ضغط الدم، وتصلب الشرايين، بل وهبوط القلب والعقم.

وكذلك ما قاله علي الجندي بأن الصوم يمهد لخلو الجهاز الهضمي والأمعاء، من الطعام لفترة ما،  فتنشط فيها عصاراته لمواجهة الوجبة المقبلة، فتكون فرصة عملية الهضم أكبر، إذ أن تقارب فترات الطعام، لا يعطي هذا الجهاز الهام من الجسم الفرصة الكافية للتخلص من الفضلات السابقة، التي تتغذى عليها الميكروبات، وتصبح بؤرة عفنة، تشيع سمومها، وتسبب أمراضاً كثيرة، منها أمراض جلدية لا حد لها!

كما يقول الدكتور محمد الظواهري، أستاذ الأمراض الجلدية بجامعة القاهرة: "إن علاقة التغذية بالأمراض الجلدية متينة، فالامتناع عن الغذاء والشراب مدة ما، يقلل من الماء في الجسم والدم، وهذا بدوره يدعو إلى قلة الماء في الجلد، وحينئذ تزداد مقاومة الجلد للأمراض الجلدية المؤذية والميكروبية.  وقلة الماء من الجلد تقلل أيضاً من حدة الأمراض الجلدية الالتهابية والحادة والمنتشرة بمساحات كبيرة في الجسم. وأفضل علاج لهذه الحالات من الوجهة الغذائية هو الامتناع عن الطعام والشراب لفترة ما".

كما أوضح بحث الطبيب عصام العريان في مصر على 120 صائماً من الرجال والنساء في مختلف الأعمار ما يأتي:
·             أن الصيام قد عمل على ضبط متوسط معدل الجلوكوز في الدم طول الشهر (80-120).
·             أن الصيام قد ساعد على تخلص الجسم من الدهنيات الزائدة.
·             أن الصيام يحدث انخفاضاً في معدل الكولسترول للصائمين الذي بدءوا الصيام بكولسترول مرتفع، بينما لم يتأثر معدل الكولسترول للذين بدءوا الصيام وهو طبيعي لديهم.
·             أن الصيام يحدث انخفاضاً في مستوى حمض البوليك بينما لم يحدث أي تغير في مستوى البولينا الدم أثناء الصيام.

ومن غير العرب الذين أكدوا على أهمية الصيام، ما قاله هـ.م. شيلتون "إن الطاقة الحيوية التي كانت تصرف في هضم المواد الغذائية سوف تصرف - عند الصوم - في طرح وطرد كل المواد المؤذية التي يحتوي عليها الجسم..

وكذلك ما قاله الدكتور العالمي الكسيس كاريل، الحائز على جائزة نوبل في الطب والجراحة :"إن كثرة وجبات الطعام، وانتظامها، ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيّف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصوم في بعض الأوقات"، ويقول:" إن الأديان كافة لا تفتأ تدعو الناس إلى وجوب الصوم والحرمان من الطعام، إذ يحدث أول الأمر الشعور بالجوع، ويحدث أحياناً التهيج العصبي، ثم يعقب ذلك شعور الضعف. بيد أنه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية أهم بكثير منه، فإن سكر الكبد سيتحرك، ويتحرك معه أيضاً الدهن المخزون تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد، وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة للإبقاء على كمال الوسط الداخلي، وسلامة القلب، وإن الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا".

وما قاله العالم آيتون سنكلير: إن أكبر شئ يعطينا إياه الصيام هو مستوى جديد من الصحة، وهذا التجدد في الصحة ينعم به الكبار في السن والشباب على السواء، وبالنسبة ذاتها، وذلك أن البنية تتجدد بكاملها فتتحسن وظائفها العديدة، وتنشط. زد على ذلك أن الصوم يمنح الجسم الفرصة المثلى للتخلص من السموم والفضلات المتراكمة بين ثناياه وفي صميم نسيجه العضوي.

وكذلك ما قاله الدكتور ماك فادون: وهو أحد علماء الصحة الكبار في أمريكا في كتابه الذي ألفه عن الصيام بعد أن ظهرت له نتائج عظيمة من أثر الصيام، وتبين له مفعوله في القضاء على الأمراض المستعصية: "إن كل إنسان يحتاج إلى الصيام، وإن لم يكن مريضاً، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم، فتجعله كالمريض، وتثقله ويقل نشاطه، فإذا صام خف وزنه، وتحللت هذه السموم من جسمه، بعد أن كانت مجتمعة، فتذهب عنه، حتى يصفو صفاء تاماً، ويستطيع أن يسترد وزنه، ويجدد جسمه في مدة لا تزيد على العشرين يوماً بعد الإفطار، ولكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل".

وما كتبه الدكتور روبرت بارتولو وهو طبيب أمريكي من أنصار العلاج الدوائي للزهري قال: “لا شك في أن الصوم من الوسائل الفعالة في التخلص من الميكروبات، وبينها ميكروب الزهري، لما يتضمنه من إتلاف للخلايا، ثم إعادة بنائها من جديد، وتلك هي نظرية التجويع في علاج الزهري.

كما استخدم الصوم في العصر الحديث كثير من أساطين الطب والتربية ومن الأسماء المشهورة المعروفة في ذلك الدكتور آلان الذي استخدمه بنجاح في علاج السكر والنقرس. والدكتور كارلسون حيث كان وسيلته في تجديد الشباب. والدكتور جننجز الذي يصفه في الحالات المرضية التي تعرض له. وبانار مكفادن زعيم الثقافة البدنية في أمريكا، ويؤثر عنه عبارته المشهورة :"الصوم يستطيع أن يُبرئ كل علة خابت في علاجها الوسائل الأخرى".

          ومن المفكرين الإسلاميين من ذكروا أشكال من الصيام متبعة في العصر الحديث لأغراض أخرى، المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد حيث قال: "الصيام في مقدمة الأوامر الدينية التي أعيد فيها النظر على أيدي أبناء القرن العشرين فظهرت لها مزاياها الكثيرة، إلى جانب مزايا العبادة والإيمان بحقوق الغيب، مع حقوق الشهادة والعيان. فقد أصبح أبناء القرن العشرين جميعاً يزاولون نوعاً من أنواع الصيام في وقت من الأوقات لصلاح البنية، أو صلاح الخلق، أو صلاح الذوق والجمال... فمن الصيام ما يتقرر اليوم لتربية الأخلاق الفدائية في الجنود، ومن يؤدون عملاً يستدعي من الشجاعة، ورياضة النفس، على تقلبات الحياة، ما تستدعيه أعمال الجنود الفدائيين.. وقد يستدعى عمل الجندي الفدائي أن يكف عن الطعام بضعة أيام، أو يستدعى أن يقبل الطعام الذي تعافه نفسه أياماً، أو يستدعى أن يرفض الطعام الجيد المشتهى وهو حاضر بين يديه... ومن الصيام الذي ثبت لزومه في هذا العصر صيام الرياضيين، وهم يملكون بإرادتهم زمام وظائفهم الجسدية، ويتجنبون كل طعام يحول بينهم وبين رشاقة الحركة.. أو يحول بينهم وبين الصبر على الحركة العنيفة، والحركة التي تتعاقب على انتظام إلى مسافة طويلة من المكان أو من الزمن، ولا يستطيعها من يجهل نظام الصيام، ولا يروض نفسه وجسده على نوع من أنواعه طوال الحياة.. ومن الصيام العصري صيام التجميل وقد يصبر عليه من لا يصبرون عادة على صيام الرياضة النفسية أو صيام الرياضية البدنية... ومن الصيام الشائع في العصر الحديث صيام الاحتجاج على الظلم والتنبيه إلى القضايا والحقوق التي يهملها الظالمون ولا يعطونها نصيبها الواجب من الفهم والعناية.  وهذه الأنواع من الصيام كلها صالحة لغرض من أغراض التربية العامة أو الخاصة يهتدي إليه أبناء القرن العشرين، ويعلمون منه أن الآداب الدينية تسبق (التحقيق العلمي) إلى خلق العادات الصالحة، واشتراع الآداب الضرورية لمطالب الجسد والروح في الجانب الخاص، أو الجانب العام في حياة الإنسان".

ح) أهمية الرياضة
وكما اهتم الإسلام، كما ذكرنا سابقاً، بالجسد والغذاء وإبعاد المسلم عن الموبقات، حرص الإسلام كذلك على توجيه المسلمين للاهتمام برياضة الجسم وتدريبه، لتتوافر له إمكانات القوة اللازمة لبناء المجتمع ومواجهة الأعداء. قال تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون". وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا"، ليس هذا فحسب بل أنه صلى الله عليه وسلم قال: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، لهذا وجب على كل من أراد أن ينال حب الله عز وجل، أن يستعين بكل وسائل القوة سواء أكانت قوة في النفس أو العقيدة والإيمان أو قوة البدن، لأن هذه الجوانب تنتج الإنسان الكامل وتظهر القوة الخارجية للإنسان، كما أنها مصدر للثقة بالنفس والشجاعة والإقدام، ومبعث لكل الصفات الحميدة من رحمة بالضعيف ونصرة للحق، لهذا حث الإسلام على تعليم الأولاد والشباب الرياضة "علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل".  كما أن كثير من العبادات كالصلاة ومناسك الحج تتطلب كمال الصحة والقوة.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "أن تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها .. أو تحملُ له عليها متاعه صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق صدقة، وحب الخير وكراهية الشر بر وصدقة" رواه البخاري ومسلم... هذا هو الدين الإسلامي السمح الكريم، تعمل العمل لأجل النظافة والرياضة فيكافئك عليه - براً وثواباً - إذا نويته في سبيل الله (تعالى)،  فالوضوء فيه نظافة للبدن ورياضة ومسد للأعضاء، وفيه حط للخطايا أيضا ورفع للدرجات، ومثله الغُسل، لقد ربط الإسلام النظافة بالثواب، فجعل المسلم أكثر تمسكاً بها وأشد إقبالاً عليها.

هذا،  وقد قسم الفقهاء في العصر الحديث الرياضة إلى واجبة، إذا كانت من أجل الدفاع عن الأرض والعرض، ومندوبة إذا كان لغير ذلك، ومكروهة إذا كان الاهتمام بها على حساب العلاقة بين العبد وربه.

وفي العصر الحديث لا يختلف اثنان في مكانة الرياضة في العصر الحديث، وأصبح ممارسة الأنشطة الرياضية المختلفة "جزءاً لا يتجزأ من البرامج الصحية في شتى مجالات الحياة.  فقد اهتمت المؤسسات التعليمية على مختلف مستوياتها بجعل النشاط الرياضي ضمن برامجها الصحية، كما نجد أن المؤسسات الصناعية والتجارية بجانب الجيش والشرطة أدخلت البرامج الرياضية ضمن برامج الرعاية الصحية كوسيلة للمحافظة على صحة العاملين والمتدربين بها، وذلك بهدف الرفع من مستواهم الصحي وبالتالي الرفع من مستوى إنتاجهم وعطاءهم".

          كما إن من "نتائج إحدى الدراسات التي قامت بها جندل : "أن عدم ممارسة النشاط الرياضي منذ الطفولة يؤدي إلى ضعف النغمة العضلية لعضلات الجسم وضعف الأنسجة السطحية، وهذان يؤديان إلى آلام شديدة مزمنة في المنطقة السفلى للظهر، وقد أكدت الباحثة ضرورة المشاركة في نشاط رياضي منتظم لمنع هذه المشكلة".

د) الرفق بالجسم
الرفق بالجسم وعدم إرهاقه بالعبادات أو بالعمل الشاق،  مما أكد عليها الدين الإسلامي، فعلى المسلم أن يقوم بالعبادات والأعمال التي يقوى عليها جسده،  ولا ترهقه،  فإذا ما ألم به مرض أو ضعف أو سأم،  فعليه أن يخفف عن نفسه، قال تعالى: )لا يكلف الله نفسها إلا وسعها( ( البقرة آية: 286).  فالإسلام خفف في التكاليف عن المريض والعاجز والمسافر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"،  فإرهاق الجسم في العمل والعبادات، والقيام بما لا يتحمله معصية، "نفسك مطيتكم فارفق بها" .  وعلى المسلم أن يلتزم بالرُّخص ولا يحيد عنها، قال عليه الصلاة والسلام :"إن الله يحب أن تؤتى رخصه،  كما يحب أن تؤتى عزائمه"،  فباب التيسير واسع قال تعالى: )ما جعل عليكم في الدين من حرج( (الحج:78)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يسروا ولا تعسروا". وكان عليه الصلاة والسلام، إذا ما علم بشخص ترك الدنيا وما فيها من طيبات، وأجهد نفسه في الانقطاع والعبادات، نهاه عن هذا، وأمره بالاعتدال في عمله وعبادته. ومن ذلك : جاءه الباهلي، وقال: يا رسول الله أنا الباهلي جئتك عام الأول،  قال له عليه السلام: "عما غيّرك ؟  قال الباهلي ما أكلت طعاماً مذ فارقتك إلا بليل. - أي يصوم النهار - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :"عذبت نفسك".  وقال عليه الصلاة والسلام لعثمان بن مظعون: “فأنا أنام،  وأصلي وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، يا عثمان: إن لعينك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، فصم وافطر وصل ونم".  وكان عليه الصلاة والسلام يطبق الرخص أمام الصحابة،  فإذا ما سافر في رمضان أفطر، يأكل ويشرب أمامهم، يعلمهم أن باب الرخصة مفتوح لمن يصعب عليه الصوم،   وعلى المسلم أن ينشط في عمله، والنشاط يدفع السأم عن الإنسان، وأن يستبشر في الحياة،  ينبذ الأوهام والوساوس التي تميت قلبه وتقعده عن العمل، فالهم والغم يحدّان من نشاطه، ويثبطان أعماله، ويهدمان صحته،  فكان عليه السلام يستعيذ من الهم والغم.  حرم الانقطاع عن الناس، فلا رهبانية في الإسلام،  ورهبانية أمتي الجهاد، والجهاد الأكبر مزاولة الأعمال مع الناس في حدود الشرع، ذلك لأن الإنسان خلق ليعمل لدنياه وآخرته، وهذا لا يتم إلا بالعمل المستطاع.  فالسعي لكسب الرزق من الإيمان: فالعبادة عشرة أقسام، تسعة منها في طلب الحلال".

2- جانب العناية بالنفس والعقل

جاء في كتاب كشف الخفاء عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "الهم نصف الهرم" رواه الديلمي... الهم هو انشغال الفكر بما حدث وبما سوف يحدث، والحزن على ما فات، والتربُص لما سيقع، وهو يورث الانقباض في النفس الذي يؤدي إلى الاكتئاب، المرض النفسي الذي يلف البشرية كلها في هذا العصر، وهو كذلك يزيد من إفراز بعض الهرمونات من بعض الغدد: كمواد الكاتيكولامين مثلاً من غدة الكظر، وهذه المواد إذا زادت عن حدّها المعتاد تؤثر على أعضاء الجسم جميعها، فتتعب الدماغ، وتُقبض الأوعية الدموية، وترفع الضغط الشرياني، وتُتعب القلب والرئتين والكبد، وتسبب قرحة المعدة والعفج، وتزداد فضلات الجسم، فتتعب الكلى، ويشيخ المرء قبل الأوان.  وقد جعل الإسلام الإيمان بالقضاء والقدر علاجاً ناجعاً للهموم جميعها، فما دام أنه لا يتم ولن يتم إلا ما يرده الله (سبحانه وتعالى) فلماذا الهم والحزن إذن؟ [xxix]  قال تعالى :).. ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدراً( (الطلاق: 2،3). وقد تم حديثاً اكتشاف علاج طبيعي للاكتئاب وهو الاستيقاظ المبكر والتعرض لأشعة الشمس ، والحديث النبوي " اللهم بارك لأمتي في بكورها" يرشدنا إلى ذلك.

وإذا كان قد عنى الإسلام بحفظ الصحة فحض على الطهارة "وثيابك فطهر"، والغسل والوضوء والاستنجاء والاستبراء والسواك، بدل غسل الأسنان ببول البقر في أوربا، ولوازم الفطرة (وهي حول ما برز في الجسم لحمايته كالأظافر وشعر الإبط والأنف والعانة والختان الخ)، وذلك بالإضافة إلى تطهير الثياب.  كل ذلك تمهيداً لتصفية الفكر وتطهير العقل من الوساوس والهواجس المثيرة للأعصاب. وهكذا اهتم الإسلام بالطهارة كعلاج وقائي للجسم والروح معاً،  كما دعا إلى الالتجاء إلى الله تعوذاً من الخوف والقلق واليأس، مع الابتعاد عن الخمور والمخدرات والميسر والقمار لطرد أسباب هذا القلق.  وقد أبرز الأستاذ أرنيست أدولف الطبيب الجراح في جامعة سان جوهن الأمريكية هذا الشرط في دعم العلاج الطبي الحقيقي.

3- جانب العناية بصحة الأسرة

بلغ عناية الإسلام بالأسرة شأواً عظيماً، وأحاط أسس بناء الأسرة والعلاقات بين أفرادها، في حالة الاستمرار أو في حالة توقفها بالطلاق، بسياج من القواعد عزّ أن يأتي بمثله في عدالته مخلوق. وقد أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أثناء وضعه (إستراتيجية) بناء الأمة، أن تكون هذه الأمة متماسكة، سليمة، قوية، في جميع نواحيها، ولا يكون البناء متيناً إلا إذا كان الأساس متيناً، لذلك أعطى توجيهاته الشريفة المحكمة إلى أفراد أمته لكي يتخيروا ذوي الخلق والدين لبناتهم فعلى الخُلق مدار حسن المعاشرة والمعاش، وعلى الدين مدار العدل وأداء الحقوق ... إن الدين والخُلق هما أساس صحة الأسرة إذ يحميانها من الإدمان وارتكاب الفواحش، فيعيش جميع أفرادها أصحاء أقوياء، ويعيش المجتمع متماسكاً متيناً كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً[xxx]. روى ابن ماجه في سننه - كتاب النكاح - عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "إذا أتاكم من ترضون خُلقه ودينه فزوجوه. ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".  كذلك "المسلم مدعو أن يتخير احتمالات وراثية طيبة لأبنائه، فيتخير لنطفه حين اختيار الزوجة".

قال ابن حجر العسقلاني في كتابه (التلخيص الحبير): جاء في غريب الحديث لابن قتيبة هذا الحديث: "اغتربوا لا تضووا" ولم يخرجه. وورد في كتاب (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي، حديث "لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يُخلق ضاوياَ" (ضوى : ضعف وهزل). يقول الله تعالى: )حُرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في جحوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ..((النساء: 23).  قد كشف الطب الحديث أن بعض الصفات تظهر دائماً في الأبناء، بينما بعض الصفات الأخرى تتنحى وتكمُن ولا تظهر إلا بعد بضعة أجيال، فسمى الصفات الأولى سائدة أو غالبة، والصفات الثانية مُتنحية أو كامنة ... وإذا اجتمعت صفتان كامنتان انقلبتا إلى صفة سائدة ظهرت في الولد، وهكذا جميع الصفات الخلقية والخلقية، والتشوهات والأمراض الوراثية، لذلك كان زواج أفراد العائلة الواحدة من بعضهم البعض غير مقبول طبياً، إذا كان ثمة مرض وراثي في الآباء والأجداد، لأن احتمال اجتماع الصفات الكامنة الخفية إلى بعضها البعض وظهورها بعد الكمون، هو أعلى بكثير في حالة الزواج بين أفراد العائلة الواحدة منه في حالة الزواج بين أفراد عائلات غريبة عن بعضها البعض.

          هذه الأمور التي لم تُعرف إلا بدءاً من القرن التاسع عشر، قد عرفها النبي(صلى الله عليه وسلم) منذ أربعة عشر قرنا، فمن أخبره بها؟  ولم تُتح الفرصة - قديما - لعلماء المسلمين ليتابعوا هذه الأمور، لأن المجهر (الميكروسكوب) لم يكن قد اخترع بعد.  علم الوراثة، هذا الذي أصبح يضم مجلدات ضخمة، قد اختصره سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) منذ أربعة عشر قرناً بثلاث كلمات :السبق والعلو والنزع.

          والأمراض التي تنتقل بشكل صفة كامنة كثيرة منها: الصمم والبكم الأسري، والتهاب الشبكية الصباغي، وعمى الألوان، والناعور، وقصر البصر، والداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، وزوال لون الجلد والشعر بالكلية (المهق) ... الخ.

4- جانب العناية بالنظافة

غير المتخصص في الطب، قد لا يتبين الغاية من الآيات القرآنية أو الأحاديث الشريفة التي تهدف من أوامرها أو نواهيها، وقاية المسلم من كثير من الأمراض، خاصة تلك التي تأمر بالنظافة. ولا شك أن "النظافة عامل أساسي في حفظ صحة الجسد، ومن قواعد الإسلام: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والعبادات لا تتم إلا بنظافة الجسم والثياب والمرفق: "بني الإسلام على النظافة"،  وللنظافة تأثير في حفظ الصحة، وفي مظهر الإنسان وكرامته في محيطه ومجتمعه "أحسنوا لباسكم، وأصلحوا رحالكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس".  ينظف جسده فيستحم في كل أسبوع مرة،  ويتخلص من الأوساخ والأدران "طهروا هذه الأجساد طهركم الله"، ويعني بنظافة أسنانه،  بأن يستعمل السواك "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب".   يعني بنظافة شعره،  ينظفه من الأوساخ ويدهنه ويمشطه "إذا اتخذت شعراً فأكرمه". والرسول صلى الله عليه وسلم كان يغسل شعره بماء السدر، ويكثر دهنه، ويسرح لحيته، ولا يفارقه المشط والسواك والمكحلة.  يقول أنس بن مالك (رضي الله عنه) : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل، وضع له سواكه وطهوره ومشطه،  فإذا أهبّه الله عز وجل من الليل استاك وتوضأ وامتشط".  إن أبا قتادة الأنصاري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لي جمة أفأرجلها؟  فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم وأكرمها"،  فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين.  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أخرج،  كأنه يعني إصلاح شعره ولحيته، ففعل الرجل،  ثم رجع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أليس خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان!".

ولم تقتصر النظافة على الجسم والثياب والمرافق بل عليه أن يعني بنظافة شارعه ومدينته ومحل عمله [xxxi]،  فإماطة الأذى عن الطريق صدقة،  وإزالة كل ما يؤذي المجتمع من نفايات وأوساخ وقذرات حيوانات مؤذية، تكون مأوى الجراثيم، ونقل الأمراض وغيرها، كل هذا من واجبات المسلم أن يتعاون على إزالتها."

5- جانب العناية والوقاية من الأمراض

          عرفت الدولة الإسلامية قبل غيرها الحجر الصحي، كما نبهت إلى عدم الاختلاط بالمرضى وقاية من انتقال المرض.

فقد أمرنا عليه الصلاة والسلام، حفظاً لصحة المجتمع، "الحجر الصحي" على الأماكن التي تنتشر فيها الأوبئة والطواعين.  فالطاعون من الأمراض الفتاكة،  حذر المسلمين من خطره، ومما يؤدي إلى موت أنفس كثيرة،  كما أمر أهل البلد التي يقع فيها الطاعون، ألا يخرجوا من بلدهم، حذراً من أن يتفشى المرض في البلاد التي يخرجون إليها.  قال عليه الصلاة والسلام: “إذا سمعتم به، أي الطاعون، بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فراراً".

كما أمرنا عليه الصلاة والسلام أن نتجنب ذوي الأمراض المعدية، قال: "لا توردوا المصح على الممرض".  وكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ من مثل هذه الأمراض ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من البرص والجذام وسيئ الأسقام".  وحذر القوم من مخالطة المجذومين فقال :" فر من المجذوم كما تفر من الأسد"، وإذا اضطر الإنسان إلى مكالمة من به جذام،  فليكن على بعد منه.  قال صلى الله عليه وسلم : كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح".   ولما قدم وفد ثقيف لمبايعته،  كان فيهم رجل مجذوم،  أرسل إليه عليه السلام : "ارجع فقد بايعنا عنك".  وبينما كان الفاروق (رضي الله عنه) يطوف بالبيت رأى امرأة مجذومة فقال لها : "يا أمة الله لا تؤذي الناس،  لو جلست في بيتك"،  فجلست في بيتها".

6- الأمر بتجنب الموبقات

كما اهتم الإسلام بالجسد وبالغذاء الصحي،  حرص الإسلام على أن يُبعد المسلم عن الموبقات كالخمر والمخدرات التي تدمر الجسد والعقل معاً. قال تعالى :) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تُفلحون( (المائدة : 90، 91) .

روى البخاري في صحيحه - كتاب تفسير القرآن وكتاب الأشربة - عن أبى هريرة (رضي الله عنه) قال “أتي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ليلى أسري به بإيلياء - بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، قال جبريل : الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك". يعلق د. عبد الرزاق الكيلاني على ذلك بقوله: " صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، لقد أديت الأمانة ونصحت الأمة، وكنت هادياً حقاً، ومبشراً حقا، ونذيراً حقا، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً حقاً، أخذت اللبن وتركت الخمر لأنه ليس من الفطرة السليمة في شئ، ولا من الصحة في شئ، ولا من مصلحة الأمة والمجتمع والأفراد في شئ، فهو جِماع الإثم ومباءة الأمراض والشرور.  عن أبى الدرداء (رضي الله تعالى عنه) قال "أوصاني خليلي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: " لا تشرب الخمر، فإنها مفتاح كل شر" رواه ابن ماجه ... وعن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال : "لعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، والمعصورة له، وحاملها، والمحمولة له، وبائعها، والمبيوعة له، وساقيها، والمستقاة له، وآكل ثمنها" رواه ابن ماجه... ضع قطعة من اللحم في وعاء من الخمر، وانظر بعد يوم ما يحدث فيها ؟  إنها تنقلب إلى قطعة من الشمع، وهذا ما يحدث في أنسجة المدمنين، فهو يصل إلى جميع خلايا الجسم ويؤذيها ويدمرها شيئا فشيئاً، مع مرور الزمن، وتنقلب أعضاء الجسم إلى أعضاء مريضة لا تستطيع القيام بالوظائف المطلوبة منها بصورة طبيعية، يُتلِف خلايا الدماغ ويغتال العقل - أي يُضعفه - فيضعف التفكير والتركيز، ويتلف العضلات .. فترتجف الأطراف، ويتحول القلب إلى عضلة ليفية ضعيفة الأداء .. ويتشمع الكبد، وتتخرب مخاطية المعدة المفرزة للخمائر الهاضمة، وتتصلب الأوعية الدموية، وتضعف المناعة في الجسم، لأن الغول (الكحول) يُعطل فعل الخمائر الكبدية التي تتولى تخريب السموم الناتجة عن هضم الأغذية واستلابها، فتكثر الإصابة بالسرطان في المدمنين، حتى إن سرطانات الفم، والبلعوم، والرأس، والعنق، والمريء، والمعدة، والكبد تحدث فيهم أكثر من غيرهم بخمس مرات.  والذي يشرب البيرة يومياً يصاب بالسرطان أكثر من غيره باثنتي عشرة مرة، وقد تبين أن الغول يساعد على تشكل مادة النيتروزامين في الجسم، وهي من أقوى المواد المحدثة للسرطان، وهو يتلف الفيتامينات الموجودة في الغذاء، ويُعطل فعل الأدوية المخفضة لضغط الدم، فلا يستفيد منها المصاب به، ويزيد نسبة الموت باحتشاء القلب (الجلطة)... ولا يقتصر ضرر الخمر على مدمنيه، وإنما يمتد ضرره إلى أولادهم، فقد يأتي الأولاد مشوهين أو مصابين بالبله والعته، وعندهم ميل إلى إدمان الخمر أيضاً. قد حاولت بعض الدول الغربية أن تمنع تعاطي الخمر بعدما ثبت ضررها، ولكنهم فشلوا .. لأنهم لم يربطوا ذلك بالعقيدة والإيمان، وبالثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، حاولت ذلك أمريكا في الربع الأول من هذا القرن ففشلت، وحاول غورباتشوف زعيم روسيا بعدما بلغ عدد شاربي الفودكا في بلاده 40 مليوناً، فرفع ثمن الخمر، ووضع العراقيل في طريق صنعها وبيعها وشرائها، وشدد العقوبات على شاربيها، ولكنه فشل أيضاً... أما الدين الإسلامي، فقد حل مشكلة شرب الخمر حلاً جذرياً، اعترف بجدواه جميع منصفي العالم فقد حُرمت الخمر بالتدريج، ثم مُنع شربها منعاً باتا بقول الله (سبحانه وتعالي): )يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تُفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم مُنتهون((المائدة :90،91).

روى ابن ماجه في كتاب الحدود عن معاوية بن أبي سفيان (رضي الله تعالى عنه)أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاقتلوهم". وروى مسلم في صحيحه -كتاب الأشربة - عن ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " كل مسكر خمر، وكل مُسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يُدمنها - لم يتُب - لم يشربها في الآخرة". وروي أبو داود في كتاب الأشربة عن جابر بن عبد الله (رضي الله تعالى عنهما) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "ما أسكر كثيره فقليله حرام".

 



الخلاصة وأهم التوصيات

توصي الدراسة بالآتي:
1-     ربط التوعية الصحية بالعقيدة الاسلامية:
إن هناك شبه إجماع لعلماء المسلمين، في تخصصات مختلفة منها الطب، على جدوى ربط التوعية الصحية في البلاد العربية والإسلامية بالعقيدة، من جميع الوجوه. حيث أن المبادئ التي تدعو إليه منظمة الصحة العالمية لإتاحة الصحة للجميع في عام ألفين، هي نفسها المبادئ التي دعا إليها الإسلام، يقول محمد الخياط في ذلك "كان يجدر بالمسلمين الذين شرفهم الله بحمل رسالة الحضارة، أن يكونوا السابقين للخيرات الداعين إلى هذه المبادئ التي يجدونها مكتوبة عندهم"

والتاريخ يدلنا على جدوى الربط بين العقيدة وسلوك الأفراد، وأثر ذلك في تحقيق ما يشبه المعجزات، "لقد نجحت العقائد على مر العصور في تغيير حياة الإنسان تغييراً جذرياً فكان لها فعل السحر وأتت بما يشبه المعجزات في فترات قياسية: بالعقائد توحدت شعوب متنافرة، وبالعقائد بعثت النهضة واليقظة والقوة في شعوب كانت خاملة متخلفة ... ولا شك أن أقوى العقائد جميعاً كانت دائماً العقيدة الدينية لأنها لا ترتبط بالحياة الدنيا وحدها ولكن أيضا بالحياة الأخرى .. مما يجعل معتنقها أشد تقبلاً لأوامرها والتضحية في سبيلها وتقيداً بها .. ويعتبر الإسلام أصدق وأقوى مثل على تأثير العقائد في حياة الشعوب والأفراد، لأنه العقيدة الوحيدة التي نزلت منذ اللحظة الأولى فكراً وتطبيقاً وتشريعاً وتنفيذاً ودنيا ودولة في آن واحد".

هذا، وهناك من الأوامر الدينية المفيدة صحياً، لولا ارتباطها بالعقيدة ما كان الفرد ليتبعها، مثل ختان الذكور الذي ثبت جدياً دوره في الوقاية من أمراض عديدة.

كما أن ربط الحملات الصحية بالعقيدة " فضلاً عن أنها سوف ترفع الوعي الصحي لدى الجميع، فإنها ستحدث نوعاً من الانسجام والاتساق بين ما يدعو إليه المنزل المسلم، وما تدعو له المدرسة والمجتمع المحلي من سلوك صحي، وسيكون هذا الانسجام والاتساق أمراً طبيعياً لأنه ينبع من عقيدة راسخة وليس مجرد معلومات أو تثقيف صحي. وشتان بين أن تكون الصحة والنظافة عقيدة وسلوكا اجتماعياً ودينياً لشعب من الشعوب، وبين أن تأتي الطاعة لأوامر الطبيب أو حتى عن غير اقتناع بفائدتها".

ومن الدراسات الجديرة بالاهتمام في هذا الصدد ما أجرته د.نادية محمد رشاد من دراسة مسحية لمعتقدات وآراء وسلوك طلاب جامعة الإسكندرية عن استعمال العقاقير. وقد شملت عينة الدراسة 972 طالباً من بين عشر كليات اختيرت عشوائياً من بين كليات جامعة الإسكندرية وجامعة حلوان بالإسكندرية سنة 1985- 1986. وأوضحت نتائج هذه الدراسة أن من الأسباب الرئيسية لاستعمال العقاقير بين الطلاب: المتعة والترفيه مع الرفقاء، وأن الدين وتجنب المشاكل القانونية من الأسباب الرئيسية لعدم استعمال العقاقير.

2-     تكرار الأمر والنهي الإلهيين في وسائل الإعلام، مع ذكر الدليل:
ذلك أن التكرار يشيع الثقافة والوعي الإسلامي من جهة، والوعي الصحي من جهة أخرى.  هذا بالإضافة إلى أن التكرار يراعي النمو الطبيعي لأفراد المجتمع، فكل يوم يولد أطفال جُدد، وبالتالي كل يوم ينضج أفراد جُدد على استعداد لتلقي الرسائل التوعوية.  كما أن التواصل والتكرار يخلق الحب. وذكر الدليل بجانب أنه ركن أساسي في البحث العلمي، فإن الدليل من القرآن والسنة يطمئن القلوب المؤمنة.

3-     إعطاء الرعاية الصحية الأولوية في مشاريع التنمية:
إن الدول المتحضرة ي العصر الحديث تولي للرعاية الصحية اهتماماً عظيماً، لما للعنصر البشري وصحته من مردود اقتصادي هام. وأمامنا "تجربة الاقتصادات الآسيوية ذات الأداء المرتفع (اليابان وكوريا وسنغافورة ومقاطعة تايوان الصينية) ... فقد أدى تركيز الإنفاق الاجتماعي في المراحل الأولى على التعليم الابتدائي وخدمات الرعاية الصحية الأساسية، إلى تحقيق مردود أعلى على الصعيدين الخاص والعام".  ووفقاً لتقييم أجراءه البنك الدولي فيما يتعلق بـ 192 بلداً، فإن رأس المال البشري يمثل 64% من الثروة القومية لأي بلد،  يليه رأس المال الطبيعي بمعدل 20%، وأخيراً رأس المال المادي بمعدل 16% فقط، عكس ما كان يفترضه علماء الاقتصادي منذ أمد طويل.

4-     عدم خصخصت الرعاية الصحية:
أن تستمر الدولة في دعم الرعاية الصحية، وعدم خصخصتها تماماً.

5-     الاهتمام بالتثقيف الصحي:
أن يواكب الاهتمام بالرعاية الصحية، اهتمام لا يقل أهمية للتوعية الصحية والتثقيف الصحي. فإذا كان المسلمون الأوائل رأوا أن على الأمة أن تعد من أبنائها من يعاني الطب (2-6)، فيجب على الأمة أيضاً أن تعد من أبنائها من يعاني التوعية الصحية. كما أن المثقف صحياً، كما تعرفه وكالة النظم التعليمية بالولايات المتحدة الأمريكية، هو الشخص الذي يفهم الحقائق الأساسية الخاصة بالصحة والمرض، ويعمل على تقدم الصحة في المجتمع، ويحافظ على صحته وصحة من يرعاهم. وهو غاية التوعية الصحية.

كما أثبتت الدراسات العلمية أهمية التثقيف الصحي،  فقد نشرت إحدى الصحف المحلية تحت عنوان "دراسة طبية تؤكد أن الحمية والتثقيف الغذائي يخفضان الوزن" خبراً ملخصه: قيام فريق طبي سعودي بدراسة شملت 48 سيدة بدينة، قسموا إلى ثلاثة مجموعات، الأولى طبق عليها برنامج الحمية، والثانية طبق عليها برنامج التثقيف الغذائي لتعديل السلوك الغذائي، والثالثة أطلق عليها المجموعة الضابطة. وقد أظهرت النتائج انخفاض الوزن لدى المجموعة الأولى بنسبة 10.61% ، والمجموعة الثانية 6.53%، أما المجموعة الثالثة فلم يحدث لديها أي تغيير.

كما أن دراسة أمريكية أكدت أن الأمراض متى طورت وسائل النظافة والتثقيف الصحي أمكن خفض نسبة حدوثها.

كما ذكر أحمد المراسلين (من السلطات التربوية والصحية في البلاد النامية) أن 17% من التلاميذ الجدد يفدون إلى مدرسته يعانون من سوء التغذية، وعلق على هذا الوضع قوله: إن الفقر لم يكن السبب الوحيد لسوء التغذية الذي يعانون منه، وأكد أن الجهل يأتي على رأس قائمة الأسباب التي تؤدي إلى سوء التغذية.

6-     ربط التوعية الصحية بالتعليم:
إذا كان التثقيف الصحي لجميع فئات المجتمع ضرورياً، فإن إدخال التوعية الصحية بالمدارس لا يقل أهمية.  إذ "لا تهتم التربية الصحية فقط بالاكتشافات الحديثة، ولكن تقدمها في توقيت مناسب وبوسائل مناسبة مع حث الأفراد على التعامل معها. فعملية الارتقاء بالصحة تبدأ بالاكتشافات وبناء المعلومات العلمية وتدعم بالتربية الصحية".

7-     أن تكون التوعية الصحية مسؤولية الجميع:
حيث أن التربية الصحية عملية تأخذ مكانها باستمرار خلال حياة الفرد ولا تقتصر فحسب على المنزل أو المدرسة، لذا يجب أن تعتبر مسؤولية مشتركة، ويمكن لكل المصادر والهيئات، بل يجب أن تستخدم للحفاظ على امتلاك ذلك الشئ الهام للغاية، إلا وهي الصحة".

8-     إبعاد أي مؤثر على الرعاية الصحية:
وذلك بمعاملة نصيب الرعاية الصحية مثل معاملة نصيب الدفاع في موازنات بعض الدول، بإبعاد أي تأثير عليها. إذ أن الصحة هي أو ما يتأثر بالانخفاض في الإنفاق الحكومي لأي سبب. حيث أن الإنفاق الحكومي يتأثر بصفة خاصة على الرعاية الصحية والتعليم بالأزمات الاقتصادية وعملية التكييف الاقتصادي.

9-     تقديم المعلومات الصحية من خلال فقرات خفيفة وممتعة:
الإذاعة والتليفزيون يخاطبان في وقت واحد جميع الأعمار والفئات، و"أنجح البرامج الإذاعية والتليفزيونية هي التي تستطيع أن تذيب أعقد المعلومات في فقرات خفيفة وممتعة في نفس الوقت".

10- النشر من خلال كل الوسائل الإعلامية: لما كان الإعلام هو كافة أوجه النشاط الاتصالية، لزم أن تستخدم التوعية كل تلك الوسائل، ووضع البرامج الملائمة لكل الفئات السِّنية والمهنية. وتشير التجارب العلمية أن التعرض للعديد من وسائل الإعلام أقوى تأثيراً من التعرض لوسيلة واحدة.

11- استخدام الدراما في التوعية الصحية وتشجيعها: اكتشف الإعلاميون أثر الدراما الفاعل على أغلب أفراد المجتمع،  ويمكن عن طريقها نشر التوعية الصحية، مثل فيلم "الحكم بعد المداولة"، الذي أظهر أضرار الأمراض الوراثية وضرورة الكشف الطبي قبل الزواج.

12-وقد نشرت جريدة الأنباء خبر تكريم جمعية الأطباء البريطانيين الملكية الفنانة يسرا وسامي العدل والمؤلف الدكتور مدحت العدل عن الدور الذي قاموا به في نشر الوعي الصحي والطبي من خلال أعمالهم الفنية.


المراجع

1.                  ابن أبي أصيبعة، "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1965)، شرح وتحقيق د.نزار رضا.
2.                  أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، "العلاقة بين الفلسفة والطب عند المسلمين"،  الطب الإسلامي، العدد الثاني، (الكويت: سلسلة مطبوعات منظمة الطب الإسلامي ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، مارس 1982).
3.                  أحمد رجائي الجندي، مقدمة، الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، السلسلة الثقافية، الجزء الأول، العدد (1) مفاهيم ودراسات، 1994.
4.                  أحمد شوقي الفنجري، السلوك الإسلامي والصحة، نشرة الطب الإسلامي، العدد الثالث، الجزء (3).
5.                  أحمد شوقي الفنجري، فضل الإسلام على الطب، (الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، السلسلة الثقافية، الجزء الأول، العدد (1)، 1994).
6.                  الأمام أبي حامد الغزالي، "الاقتصاد في الاعتقاد، (القاهرة: مطبعة صبيح)، ب.ت.، ص 135.
7.                  الإمامان الجليلان: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، "تفسير الجلالين"، (دمشق: مطبعة ومكتبة الملاح، 1960)، الحاسوب.
8.                  باتريشيا الونسو جامو ومحمد العريان، وقائع وأوراق ندوة الآثار الاجتماعية للتصحيح الاقتصادي في الدول العربية، (أبو ظبي 17-18 يناير 1996).
9.                  البخاري في الأدب (4/47-48).
10.             جاك فان درجاج، التنمية الاجتماعية أثناء التكيف الهيكلي، تناقض أم فرصة؟، وقائع وأوراق ندوة الآثار الاجتماعية للتصحيح الاقتصادي في الدول العربية، (أبو ظبي 17- 18 يناير 1996).
11.             رمضان لاوند، قضايا الإعلام في القرآن، (الكويت: مطابع الهدف، د.ت.).
12.             روبرت هـ. باترمان وآخرون، "طب المعالجة الإخلافية الحديث والصحة العامة"، ترجمة أ.نزيه الحكيم، (الكويت: المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية ومنظمة الصحة العالمية، د.ت.)، ص 137، 136.
13.             سعد زغلول عبد الحميد، الحياة الدينية في دولة الإسلام، مجلة عالم الفكر، 1980.
14.             سعيد الديوه جي، الموجز في الطب لإسلامي، الطبعة الأولى، الكويت: مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، 1989.
15.             سمير محمد حسين، الإعلام والاتصال بالجماهير والرأي العامة، (القاهرة: مطابع سجل العرب، 1984).
16.             شاهيناز طلعت، الدعاية والاتصال، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1987).
17.             الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، "مختار الصحاح"، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1976).
18.             صحيفة الأنباء الكويتية، 1/12/1997، العدد 7738.
19.             صحيفة الأنباء الكويتية، 31/8/1997.
20.             صحيفة الأنباء الكويتية، 24/9/2005.
21.             طاهر كنعان (محرر)، "وقائع وأوراق ندوة الآثار الاجتماعية للتصحيح الاقتصادي في الدول العربية، (أبو ظبي: الندوة)، 1996.
22.             الطب التقليدي والرعاية الصحية، الكويت: المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية ومنظمة الصحة العالمية، بلا تاريخ.
23.             عبد الرب نواب الدين، النصيحة شروطها وآدابها، (الطبعة الأولى، دمشق: دار القلم، 1995).
24.             عبد الرحمن عبد الرحمن النقيب، دور الإسلام وتعاليمه في التخطيط للتربية الصحية في مدارس العالم الإسلامي، نشرة الطب الإسلامي، العدد الثالث، الجزء (3).
25.             عبد الرزاق الكيلاني، "الحقائق الطبية في الإسلام"، (دمشق: دار القلم، 1996).
a.                   عبد العزيز بن عبد الله، "الطب الإسلامي وأبعاده في المغرب"، نشرة الطب الإسلامي العدد الثاني، الكويت: سلسلة مطبوعات منظمة الطب الإسلامي ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، مارس 1982.
26.             عدنان أحمد البار وآخر، "الطب الوقائي في الإسلام"، نشرة الطب الإسلامي، العدد الثالث، الجزء (3)، سبتمبر – 2 أكتوبر 1984.
27.             عواشة محمد حقيق، الرأي العام بين الدعاية والإعلام، (ليبيا: منشورات الجامعة المفتوحة، 1994).
28.             الفكر التربوي.
29.             قاموس القارئ (انكليزي – عربي)، أكسفورد، 1980.
30.             قنديل شاكر شبير، "أثر الإسلام في الحفاظ على الصحة العامة للفرد والمجتمع"، الطب الإسلامي،(الجزء الثالث، العدد الثالث).
31.             محمد أ. كريم (ماليزيا)، الطب الإسلامي، (العدد الثاني مارس 1982).
32.             محمد إبراهيم سليم، التداوي بالصيام، القاهرة: مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع والتصدير، 1991.
33.             محمد عبد الخالق علام وآخر، "السلوك الصحي وتدريس الصحة"، (القاهرة: دار المعارف، 1981).
34.             محمد معوض، محاضرات في الإعلام، (الكويت: جامعة الكويت، مركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر، خلال الفترة من 9/10/1993 إلى 9/1/1994).
35.             محمد هيثم الخياط، السلسلة الثقافية، الجزء الأول، العدد (1) مفاهيم ودراسات، (الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، 1994).
36.             مختصر صحيح البخاري - الإمام الزبيدي/ كتاب الصوم، 908.
37.             مسلم في الذكر والدعاء (100).
38.             مصطفى جوهر حيات ود. عبد الهادي عبد المنعم حلاوة، "الصحة والرياضة"، (الكويت: دار القلم)، 1994.
39.             المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية – الإدارة العامة للمجمعات وإحياء التراث، (اسطنبول: دار الدعوة، د.ت.).
40.             المنجد في اللغة والإعلام، (بيروت: دار المشرق، الطبعة الخامسة والثلاثون، 1996).
41.             نادية محمد رشاد، "التربية الصحية والأمان"، (الإسكندرية : منشأة المعارف، 1992)، ص 13.
42.             نادية محمد رشاد، "التربية الصحية والأمان"، (الإسكندرية: منشأة المعارف)، 1992.
43.             نشرة الطب الإسلامي العدد الثاني، الكويت: سلسلة مطبوعات منظمة الطب الإسلامي ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، مارس 1982.
44.             وانج باي،"الطب الصيني التقليدي"، ترجمة أ.نزيه الحكيم، (الكويت: المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية ومنظمة الصحة العالمية، د.ت.).
45.             وجدي رزق غالي، "قاموس الجيب الأصغر"، (بيروت: مكتبة لبنان، 1996).

(دعوة إلى دور النشر الإسلامية: يسعدني قبول أي دور نشر اسلامي نشر هذا البحث مجاناً ت: 97313701  دولة الكويت)



[i] د. سمير محمد حسين، الإعلام والاتصال بالجماهير والرأي العامة، (القاهرة: مطابع سجل العرب، 1984)، ص 24.
[ii]  د. محمد معوض، محاضرات في الإعلام، (الكويت: جامعة الكويت، مركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر، خلال الفترة من 9/10/1993 إلى 9/1/1994).
[iii] د.سمير محمد حسين، مرجع سبق ذكره، ص 129.
[iv]  د. محمد عبد الخالق علام وآخر، مرجع سبق ذكره، مواضع متفرقة.
[v] رمضان لاوند، قضايا الإعلام في القرآن، (الكويت: مطابع الهدف، د.ت.)، مواضع متفرقة.

[vi] د. شاهيناز طلعت، الدعاية والاتصال، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1987)، ص 184.
[vii]                                                                                                                                                                                                  د. محمد عبد الخالق علام ود. عصمت محمد عبد المقصود، "السلوك الصحي وتدريس الصحة"، (القاهرة: دار المعارف، 1981)، ص 6.
[viii]                                                                                                                                                                                                  د. عبد الرزاق الكيلاني، "الحقائق الطبية في الإسلام"، (دمشق: دار القلم، 1996)، ص 12.
[ix]  ابن أبي أصيبعة، "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1965)، شرح وتحقيق د.نزار رضا، مواضع متفرقة.
[x]  الإمامين الجليلين: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، "تفسير الجلالين"، (دمشق: مطبعة ومكتبة الملاح، 1960)، الحاسوب.
[xi] الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، "مختار الصحاح"، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1976)، ص 729.
[xii] المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية – الإدارة العامة للمجمعات وإحياء التراث، (اسطنبول: دار الدعوة، د.ت.).
[xiii] المنجد في اللغة والإعلام، (بيروت: دار المشرق، الطبعة الخامسة والثلاثون، 1996).
[xiv] وجدي رزق غالي، "قاموس الجيب الأصغر"، (بيروت: مكتبة لبنان، 1996)، ص 98.
[xv] قاموس القارئ (انكليزي – عربي)، أكسفورد، 1980.
[xvi] د.محمد عبد الخلاق علام وآخر، مرجع سبق ذكره، ص 68.
[xvii] نفس المرجع السابق، ص 68 وما بعده.
[xviii] د.نادية محمد رشاد، "التربية الصحية والأمان"، (الإسكندرية : منشأة المعارف، 1992)، ص 13.
[xix] نفس المرجع السابق، ص 16.
[xx] روبرت هـ. باترمان وآخرون، "طب المعالجة الإخلافية الحديث والصحة العامة"، ترجمة أ.نزيه الحكيم، (الكويت: المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية ومنظمة الصحة العالمية، د.ت.)، ص 137، 136.
[xxi] وانج باي،"الطب الصيني التقليدي"، ترجمة أ.نزيه الحكيم، (الكويت: المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية ومنظمة الصحة العالمية، د.ت.)، ص 83 وما بعده.
[xxii]الطب التقليدي والرعاية الصحية، الكويت: المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية ومنظمة الصحة العالمية، بلا تاريخ، ص 10.
[xxiii] ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1965)، مواضع متفرقة.
[xxiv] د. عبد الرزاق الكيلاني، مرجع سبق ذكره، ص 14، نقلاً عن عمر فروخ في مجلة Arab Journal of Medicine، المجلد 4، العدد6.
[xxv] عبد الرب نواب الدين، النصيحة شروطها وآدابها، (الطبعة الأولى، دمشق: دار القلم، 1995)، ص 51.
[xxvi] سعيد الديوه جي، مرجع سبق ذكره، ص 25.
[xxvii] الأمام أبي حامد الغزالي، "الاقتصاد في الاعتقاد، (القاهرة: مطبعة صبيح)، بلا تاريخ، ص 135.
[xxviii]  مختصر صحيح البخاري - الإمام الزبيدي/ كتاب الصوم، 908.
[xxix] د. عبد الرزاق الكيلاني، مرجع سبق ذكره، ص 80
[xxx]  د. عبد الرزاق الكيلاني، مرجع سبق ذكره، ص 86.
[xxxi] (وضع الشعارات التي وضعت في وزارة  الدكتور الهاجري في شوارع الكويت)