الأربعاء، 1 يوليو، 2015

حكاية مرفت ب. والبحث عن الهوية النوبية



تناقلت الأنباء بتاريخ سابق خبر من بيروت, أن مرفت ب. (13 عاماً) أمضت عشرة أعوام في منزل عائلة ميسورة اشترتها, حتى كان يوم كشفت لها والدتها بالكفالة هذا الواقع, فقررت مرفت الهرب بحثاً عن أمها الحقيقية, وتركت المنزل في برج حمود, واتجهت إلى طرابلس, ولما يئست حاولت الانتحار بإلقاء نفسها في البحر, لكن رجال الشرطة أوقفوها بجرم التشرد, وسلمت إلى سجن النساء في جبل لبنان.  وفي السجن تعرفت مرفت مصادفة على امرأة تدعي سليمى ج. (35 سنة), وقصت عليها حكايتها. وتلعب المصادفة دورها,  حينما جاءت زينب ر. إلى السجن الذي كانت تنزل فيه بجرم بيع ابنة شقيقتها مرفت, بعد أن أنهت فترة عقوبتها, لزيارة زميلتها السابقة سليمى, وأبلغتها الأخيرة بأن مرفت ابنة شقيقتها التي سبق لها أن باعتها موجودة في السجن.  لم تصدق زينب أنها الفتاة عينها التي أخذتها من أمها منذ عشر سنوات,  وقامت بإبلاغ شقيقتها,  التي ما أن علمت بالأمر حتى هرعت إلى المحامي الذي كان يتابع دعوى "بيع مرفت".  وبناء على طلب النيابة العامة في جبل لبنان أعيدت الفتاة إلى أمها الحقيقية.

لأسباب مختلفة ولكنها خانقة,  ربما يحدث مثل ذلك كل يوم, يهرب الإنسان بعيداً عن أهله.  والعودة إلى الأهل لأسباب مختلفة أيضاً, أهمها هو الإدراك أن من يعيش بينهم ليسوا بأهله, وشعوره بالضياع, ربما رغم أنه يعيش في رغد من العيش يحسده عليه الآخرون, إلا أنه قد آن الأوان ليبحث عن هويته الحقيقية. والبحث عن الهوية قد يبدأ بعد بلوغ عشرة سنوات من العمر, وربما عشرون سنة, وربما ستون سنة, كل حسب بدء شعوره بالحاجة إلى الهوية.

فلا يجب أن يلومنا أحد ممن نعيش بينهم, حتى ولو في رغد من العيش,  عندما نبحث عن هويتنا النوبية سواء في بطون كتب التاريخ نقلبها, أو في شوقنا الدائم لأرضنا التي هجرناها أو هُجرنا منها, سواء تضحية لخير وطننا مصر أو السودان, أو لأسباب أخرى. 

لا يجب أن يلومنا أحد,  إذا كتبنا أو نكتب أو سنكتب عن وطننا الغارق في قاع النيل.  أو إذا قلنا ذلك شعراً أو نثراً,  لا يجب أن يلومنا أحد.

لم يلم أحد شاعراً غنى لوطنه رغم جورها عليه,  فما بالك أن نوبتنا لم تعطنا إلا الخير,  والصحة, وملعب طفولتنا, ومبادئنا وسلوكنا الأخلاقي الرفيع الذي يفتخر به من حولنا حتى قبل أن نفتخر نحن به!

وقد رد الأستاذ الكبير أنيس منصور في "مواقف" على من يلوموننا على عشقنا للنوبة, ووصفهم بالسخفاء!  كتب يقول: "بعض السخفاء يتصورون أن الاهتمام بالنوبة سببه أنهم يشجعون على فصل النوبة عن مصر.  والحقيقة أنهم يضيفون جديداً إلى تاريخ مصر وعمقاً, وإلى مسار البشرية الإفريقية إلى البشرية الأوروبية, والفضل لمصر والسبق للنوبة".