الاثنين، 9 مارس 2009

العمل النوبي بالكويت والعلم



تأثراً بالأفكار العلمية التي فجرها جاليليو ونيوتن، قاد فرانسيس بيكون (1561 - 1626) الثورة العلمية في القرن 17 عن طريق منهجه الجديد القائم على "الملاحظة والتجريب"، ورفضاً للمناهج القديمة القائمة على التأمل والقياس. ويعتبر عصره بداية عصر النهضة والثورة الصناعية.

آمن بيكون إيمانا مطلقا بالعلم وبقدرته على تحسين أحوال البشر فجعل العلم أداة في يد الإنسان، تعينه على فهم الطبيعة وبالتالي السيطرة عليها.

ورأى أنه يجب أن تكون للإنسان عقلية عملية جديدة، وأن المعرفة ينبغي أن تثمر في أعمال، وان العلم ينبغي أن يكون قابلا للتطبيق في الصناعة، وأن على الناس أن يرتبوا أمورهم بحيث يجعلون من تحسين ظروف الحياة وتغييرها واجبا مقدسا عليهم.

وهكذا اتجهت دعوة بيكون إلى القيام بأنواع جديدة من الدراسات العلمية التي ترتبط بحياة الإنسان ارتباطا وثيقا.

المنهج الجديد
يعود الفضل إلى فرنسيس بيكون في وضع المنهج الجديد، حيث يرى أن المعرفة تبدأ بالتجربة الحسية التي تعمل على إثرائها بالملاحظات الدقيقة والتجارب العملية، ثم يأتي دور استخراج النتائج منها بحذر وعلى مهل ولا يكفي عدد قليل من الملاحظات لإصدار الأحكام، وكذلك عدم الاكتفاء بدراسة الأمثلة المتشابهة بل تجب دراسة الشواذ من الأمور الجوهرية في الوصول إلى قانون عام موثوق به. وقد دفع به هذا الموقف إلى نقد المدرسيين والقدماء لاكتفائهم بالتأمل النظري حول الطبيعة دون أن يعنوا بملاحظة ظواهرها.

ويرى بيكون أنه إذا أردنا الوصول إلى الهدف المنشود فلا بد من مراعاة شرطين أساسيين وهما:

1. شرط ذاتي يتمثل في تطهير العقل من كل الأحكام السابقة والأوهام والأخطاء التي انحدرت إليه من الاجيال السالفة.
2. شرط موضوعي ويتمثل في رد العلوم إلى الخبرة والتجربة وهذا يتطلب معرفة المنهج القويم للفكر والبحث، وهو ليس إلا منهج الاستقراء. وليس المنهج هدفا في حد ذاته بل وسيلة للوصول إلى المعرفة العلمية الصحيحة، إذ أنه - كما يقول بيكون - بمثابة من يقوم بإشعال الشمعة أولا ثم بضوء هذه الشمعة ينكشف لنا الطريق الذي علينا أن نسلكه حتى النهاية.

أولاً: الأوهام :

قد لاحظ بيكون أن العقلية الإنسانية قد رسخ فيها على مر العصور من الأوهام والخرافات والتقاليد الفاسدة ما بعد بها عن جوهرها الصافى ومعدنها الأصيل، ونحن فى تصوره معرضون للوقوع فى الخطأ وهو يجمل هذه الأخطاء أو الأوهام التى تراكمت على العقل الإنسانى فى أربع:-

1- أوهام الجنس Race :
إنها ظاهرة بشرية وداء عام مشترك بين بنى الإنسان، أى خاصة بالجنس أو النوع الإنسانى كله ومتأصلة فى تركيب العقل الإنسانى، فتكون كالمرآة الزائفة التى تفسد الأشكال والصور، فالعقل لا يقبل إلا ما يوافق غروره ولا يلتفت إلى التجارب التى لا ترضى هواه، وهكذا يكون تفسيرنا للخرافات كالسحر والأحلام والتنجيم، تلك رذيلة جماعية بسبب تحكم أمانينا فى إتجاه تفكيرنا.

2- أوهام الكهف Cave:
وهى نقاط الضعف البشرية فى كل شخص، وهذه لا حصر لها ولا عدد ويقرر بيكون أن ما يحيط بكل فرد من ظروف وملابسات الحياة ومقومات شخصية خاصة كالمستوى الثقافى وطبيعة المهنة والبيئة الإجتماعية، كل هذا يحصر عقلية الفرد فى إطار معين من التفكير ويفرض عليه نوعاً من العزلة كأنه فى واد بعيد أو كهف، وقد أشار أفلاطون إلى هذا النوع من الوهم فى أسطورة الكهف، فكل فيلسوف سجين كهفه وهو لا يفكر إلا طبقاً لمزاجه الخاص.

3- أوهام السوق Market - Place:
وهى الأخطار الناجمة عن ميل الذهن إلى الإنبهار بالألفاظ وهو خطأ يتفشى فى الفلسفة بوجه خاص، وقد نشأ نتيجة لغة التخاطب بين الجماعات المختلفة، يلتقى الناس فى المقاهى والأندية العامة والأسواق التجارية وغيرها من مواطن الإجتماع فيتحدثون فى مختلف الشئون بلغة مشتركة بعيدة عن المنطق، وفى ظل هذه اللقاءات تفقد الألفاظ دلالتها الحقيقية وتعجز اللغة عن تحقيق وظيفتها التى هى التعبير الصادق عما يستقر فى الذهن.

4- أوهام المسرح Theatre:
وهى الأخطاء التى تنشأ عن المذاهب والمدارس الفكرية أو التى تنشأ نتيجة للتأثر بالقيادات أو الأشخاص ذووا التأثير العميق على بعض الأفراد، وهنا يقصد بيكون أرسطو بوجه خاص، فيفتن الناس فى كل زمان بمشاهير الرجال ويتلقون أرائهم بالتسليم والقبول دون أن يتطرق إلى أذهانهم الشك فى صحة هذه الأراء، مثال ذلك ما حدث لمعاصر بيكون ( جاليليو ) فقد قرر هذا العالم أنه لو قذف من مكان عال بحجرين أحدهما يزن رطل والأخر عشرة أرطال، فإن كلاهما يصل فى نفس الوقت، وقد أجرى جاليليو هذه التجربة على ملأ من أساتذة الجامعة، ورغم نجاحها وصدقها واقعياً إلا أن المشاهدين كذبوا أعينهم وذلك لأن أرسطو قال بعكس ذلك.

هذه هى أوهام الخاصة من العلماء وعلينا إذاً تخليص العقل من الأوهام وأن نستبدله بعقل سليم، عقل علمي يقوم على منهج الإستقراء، لهذا أراد بيكون وضع أصول منهج جديد يقضى على جميع الأفكار الخاطئة.

ثانياً: قواعد منهج الاستقراء:
لدراسة أو تفسير أي ظاهرة، أو حل لأي مشكلة، يجب أن نتبع الآتي:
1. جمع الأمثلة قدر المستطاع: دراسة أي موضوع يتطلب أولاً جمع كل ما كتب في نفس الموضوع من قبل، فيتم إعداد المراجع – كلها بقدر المستطاع – فلا يترك أي كتاب أو وثيقة أو فيلم أو سي دي ... الخ في نفس الموضوع، إلا ويتم الاطلاع عليها.

2. تنظيم الأمثلة وتبويبها وتحليلها وإبعاد ما يظهر منها انه ليس له بالظاهرة المبحوثة علاقة علة ومعلول، فيتم وضع الأمثلة المتشابهة مع بعضها البعض، وضم كل جزء مع الجزء المشابه له، ومحاولة وضع عناوين عامة وتقسيمها إلى عناوين فرعية بقدر المستطاع.

3. التوصل إلى القانون الذي يحكم الظاهرة: يجب أن تقودنا الدراسة إلى قوانين وقواعد منطقية تؤدي إليها، مهما كانت تختلف أو تتعارض مع القواعد التي توصل إليها باحثون سابقون، ومهما كانت مكانته التاريخية أو العلمية.

وما يلفت النظر أن بعض كتاب الرواية الحديثة يتبعون هذا الأسلوب العلمي، فيقول الراحل نجيب محفوظ أنه يبدأ الرواية دون أن يعرف إلى ماذا ستنتهي، فهو يترك شخوص الرواية تعبر عن شخصيتها في المواقف المختلفة، وتتصارع مع بعضها، إلى أن ينتهي بهم إلى مصيرهم المحتوم والمنطقي دون تدخل منه.

الخلاصة
هل نتبع في أنشطتنا سواء في الاتحاد أو لجانه - وهو ما يعنينا هنا - الأسلوب العلمي؟ بمعنى هل كل مسؤول/ مسؤولين عن لجنة ما، يقومون ببحث تجربة السابقين في كل موضوع أو نشاط يعدون للقيام به؟ أو هل لهم تجربة سابقة يرجعون إليها لدراسة كل عناصرها، بحيث لا يكرروا الخطوات الفاشلة التي تمت سابقاً، أم يبدءون من التقليد الشكلي لنشاط سابق قام به فلان، دون تجربة فعلية مع فلان هذا؟

أحسب أن رئيس الاتحاد السابق صابر جاه الله أجاب في مقالته بمجلة "نوبتي" عن هذا السؤال عندما سأل: لماذا نحن في البداية دائماً؟
(الصورة للأستاذ / صابر جاه الله، رئيس الاتحاد النوبي بالكويت، 2009)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق