الاثنين، 2 مارس، 2009

الثقافة النوبية من وجهة نظر نوبي


تحت عنوان: هل هناك ثقافة نوبية؟ كتب أحد الأخوة النوبيين في مقال طويل، نلخصه أدناه، أن الثقافة شقان:
1) التراث الإنساني 2) التراث الإبداعي

1 - التراث الإنساني (النوبي) مهمل إلى حد قاس . والشيء المثير للغرابة أن الآثار النوبية لا تزال تعاني من خلط - في مفهومنا - مع الآثار المصرية. إذ كل ما هو موجود خلف السد العالي وحتى وادي حلفا من آثار هي في الواقع آثار الطبقة الحاكمة أو السلطة الممثلة في فراعنة مصر ولكن أين هي الآثار الشعبية النوبية أو بمعنى أصح الطبقة المحكومة؟ أين هي القصور والبيوت والمقابر والمعابد الخاصة بنا نحن النوبيين؟

2 - أما التراث الإبداعي فأرجو ألا أكون مجافيا أن قلت أنه منعدم تماما. فالتراث الإبداعي يضم الكتاب والفنون التشكيلية والموسيقي. وفي الحق أن تاريخنا في هذه الفروع الثلاثة يقف عند عتبة المبتدئين وعلى أصحاب الأبواق الذين يفخرون بكل علياء برواية وحيدة هي الشمندورة عليهم أن يستحوا (المقال كتب قبل ظهور جيل حجاج أدول). فهل تاريخنا يسمح لنا بأن نفتخر بأن هذه الرواية هي الكتابة عندنا؟ أرجو أن يراجعوا أنفسهم ويتساءلون فيما بينهم. أين هذه الفروع الإبداعية من تاريخنا الأصيل؟ ويتساءل في النهاية: هل هناك ثقافة نوبية؟ (انتهى)

مع احترامي لرأى الزميل وجهده ، فإنني أرى أنه تحامل على الثقافة النوبية تحاملا يتسم بالبعد عن التفسير الصحيح لبعض المصطلحات، التي لا يتفق معه فيها أحد. لذلك سأقدم لرأيي بالمقدمة التالية:

أولا : يرى الأستاذ/ محمد أحمد السنيطي والدكتور/ الواثق بالله عبد المنعم أحمد[1] :
1- أن التراث الثقافي لا يقتصر على أشكال التعبير الفني المحسوس أو في الأشكال المعمارية التي خلفتها لنا الحضارات الماضية، ولكنه يتكون أيضا من الثقافات الحية مثل اللغات والقيم الروحية والأخلاقية.
2- يقصد بالثقافة الجوانب المعنوية في حياة المجتمع، ومن أمثلتها القيم التي نؤمن بها، والعادات السلوكية التي نتبعها والتقاليد التي نعمل وفقا لها والمثل العليا التي نهدف إليها، والقيم الدينية والنظريات الفنية، والآداب، والقوانين، والاتجاهات السائدة في المجتمع .. الخ
3- الثقافة تمثل العناصر الفكرية والروحية للمجتمع. وهى تنتج من تفاعل الأفراد مع الأنماط الاقتصادية والخبرات التاريخية والظواهر الأدبية والفنية التي تؤثر فيهم.
4- الثقافة ظاهرة اجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر، وفي المجتمع الواحد تختلف من عصر إلى عصر.
5- تتأثر ثقافة المجتمعات بعضها ببعض، إذ قد تنتقل بعض عناصر ثقافية من مجتمع إلى آخر عن طريق التجارة أو الاستعمار والحروب أو لسهولة المواصلات.
6- إذا بحثنا في أصول الثقافة نجد أنها سلوك مكتسب يرجع إلى عاملين الأول هو الإبداع، والثاني هو النقل والاقتباس، وهناك عناصر ثقافية تنبع أساسا من الديانات.

ثانيا: يعرف "ادوارد تايلور" الثقافة بأنها"ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع"([2])

ثالثا: يرى"كويني رايت" أن الثقافة هي: النمو التراكمي للتقنيات والعادات والمعتقدات لشعب من الشعوب يعيش في حالة الاتصال المستمر بين أفراده. وينتقل هذا النمو التراكمي إلى الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر العمليات التربوية".

رابعا: يرى د. عايد المناع أن الثقافة هي "ذلك التراكم الكمي من المعارف والقيم والعادات والابتكارات الإنسانية والتي تتطور نوعيا نتيجة تطور العلم والوعي الإنساني، وهى تطورات تحتمها احتياجات الإنسان لإيجاد مصادر أفضل لحياة أرغد وأجمل."

خامسا: الارتباط بين الثقافة النوبية والمصرية :
عن الآثار النوبية كتب د. السيد حامد:"أكدت المقارنة على أنه لا يوجد اختلاف ما بينها وبين مثيلاتها في المدن المصرية، وخاصة آثار عصور ما قبل الأسرات. بالمقابر ومحتوياتها ومواقعها ومميزاتها التي عثر عليها في بلاد النوبة تمثل ثقافة مشابهة تماما للثقافة المصرية"

ويقول:"إن عادات الدفن والحرف اليدوية مشابهة تماما لمثيلتها التي عثر عليها في المقابر المصرية، مما يؤكد أن النوبيين المصريين في العصور الأولى سلالة واحدة. وأن مصر وبلاد النوبة كانتا تكونان منطقة سلالية وثقافية واحدة".

ويقول في موضع آخر:"وقد ذكر يوركهارت أن أهل المنطقة النوبية كانوا يعبدون الآلهة المصرية قبل أن تستقر هذه الآلهة بزمن طويل في معابد الكرنك والقرنة الضخمة التي توحي الظواهر كلها بأنها أقدم المعابد المصرية إطلاقا. وقد بني رأيه هذا على ما شاهده أثناء رحلته في معبد الدر وغيره ومن رسومات للآلهة المصرية الفرعونية والملوك التي تتشابه مع ما هو مرسوم على المعابد الفرعونية في مختلف المناطق الأثرية في مصر.([3]).

بعد هذه المقدمة المختصرة لآراء علماء وأساتذة متخصصين، سنرى كيف أن الأخ النوبي، المشار اليه في أول المقالة، تحامل على ثقافة بلاده النوبية بلا مبرر من جهة، وبخل على بلاده بمزيد من جهده في البحث والتقصي في معنى الثقافة من جهة أخرى. وبدلا من أن يلقي الضوء على ثقافة بلاده"النوبة" ويعرف الآخرين بها، نراه يهاجمها ويقلل من شأنها في سابقة لم أرى لها مثيلا، لا عند النوبيين ولا عند المستشرقين. وفيما يلي مناقشتنا له:

1- نرى خلطه بين مصطلح التراث الإنساني، الذي يعبر عن كل ما انتهى إلينا من إنجازات مادية ومعنوية لمن سبقونا من البشر دون تمييز، وبين ما تركه لنا أجدادنا النوبيين، وذلك في عبارته : التراث الإنساني النوبي .

2- يرى أن هناك خلط بين الآثار النوبية وبين الآثار المصرية. والصحيح أن هناك اختلاط، وشتان بين المعنيين. ولا أعرف كيف تنفصل الآثار النوبية عن الآثار المصرية، اللهم إلا إذا استطعنا أن نفصل في مياه النيل بين نوبية وبين مصرية، وهذا مستحيل.

3- بطريقة نستدل بها أنه لم يقرأ تاريخ بلاده كاملا، يقسم الشعب النوبي إلى حكام (فراعنة مصر) ومحكومين (النوبيين). فلا يدرى أن الفراعنة حكموا النوبة، كما حكم النوبيون مصر من جهة، وأن النوبيين حكموا أنفسهم من جهة أخرى أيضا.

4- يرى أن التراث الإبداعي في النوبة، وهو الشق الثاني للثقافة، منعدم تماما؟ وإذا فهمنا معنى الثقافة الشامل بالشكل الذي عرضته في المقدمة، سننتهي إلى أن النوبيين طوال تاريخهم لم يضيفوا للثقافة البشرية أي قيم روحية أو أخلاقية أو مثل عليا حسب منطقه. رغم أن مصر (والنوبة جزء منها) هي منبع القيم الأخلاقية والمثل العليا، وراجع كتاب الفلسفة الخلقية للدكتور فيصل بدير عون - جامعة عين شمس، ستجد أن المثل الأخلاقي الأول المسجل في تاريخ البشرية خطه نوبي.

5- يهاجم الإبداع النوبي في الأدب والفنون التشكيلية والموسيقى، ويرى أننا في الفروع الثلاثة نقف عند عتبة المبتدئين. ولا يعلم أن الفنانين النوبيون في العصر الحديث، وبعضهم يعيشون بيننا، أساتذة ورواد في فنونهم. والموسيقي النوبية تقف في مصاف الموسيقى العالمية بشهادة أحدث الدراسات الموسيقية لمتخصصين غير نوبيين. ويمكنك مراجعة المتخصصين في كل فن من هذه الفنون في مصر، وكذلك نادي النوبة العام، وجمعية التراث النوبي، والنوبي الديني الثقافي. ولا أعرف كيف يحصر الإنتاج الأدبي والتراث الأدبي في الكتاب؟ ويختار من الكتب الأدبية الرواية الحديثة؟ رغم أن الكتاب وسيلة من وسائل الأدب الحديث. ملتفتا عن الفنون الأدبية الأخرى الموروثة من شعر وقصص وحكايات وغيرها تناقلتها الأجيال عبر تاريخها الإنساني، وسمعناها من الآباء والأجداد. وعدم معرفتنا لكثير منها الآن، لأن بعضها غير مدون في كتب، لا ينفي أنها كانت ولازالت موجودة، ويمكنك مراجعة كتب الأساتذة محيي الدين شريف وإبراهيم شعراوي وغيرهم.

وإذا بقيت لهذه المقالة حسنة، فهي أنها تنبه الكتاب والأدباء والقيادات الثقافية النوبية، إلى النقص المعلوماتي في الجوانب المختلفة للتراث الثقافي النوبي. يجب أن تزود بها اللجان الثقافية في الجمعيات النوبية أولا قبل القارئ النوبي.
[1] "تنمية المجتمع المصري" ص 38 عام 1990 .
[2] كتاب "الثقافة البدائية" عام 1871 .
[3] النوبة الجديدة - ص 23 وما بعدها.
(الصورة للأستاذ حجاج أدول، روائي نوبي)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق