الاثنين، 26 يناير، 2009

العشوائية في الزواج


منذ 500 سنة ق.م. رأى أفلاطون في كتابه "المدينة الفاضلة" ، وبمنهجه العلمي في ذلك الوقت وهو التأمل، أن الصدفة والعشوائية التي يتم بها الزواج, لا يؤدي إلى ظهور الحاكم العادل أو الطبقة الحاكمة العادلة, وإذا ظهرت لا يضمن لها الاستمرار طالما هذا الزواج العشوائي قائماً !

وبعد هذه السنين الطويلة, توصل العلماء بمنهجهم العلمي الحديث إلى نفس الاكتشاف! .. فهل سينتهي الزواج العشوائي قريباً ؟!

اكتشف العلماء بعد التجارب, أن الرجال والنساء يميلون أكثر لاختيار الشريك الذي تتماثل ملامحه إلى حد ما مع ملامحهم شخصياً. واعتمدت التجربة التي قام بها العلماء في جامعة سانت آندروز لمعرفة العوامل التي تؤثر في انجذابنا للطرف الآخر, على الطلب من فئتين من المتطوعين والمتطوعات تحديد الشخص الأكثر جاذبية من خلال النظر إلى صور وجوه عديدة بينها صورة للمتطوع والمتطوعة أنفسهما, لكن جرى تغيير ملامحها جزئياً بواسطة الكمبيوتر لإعطائها شكلاً أنثوياً (بالنسبة للمتطوعين), وشكلا ذكورياً (بالنسبة للمتطوعات) دون أن يدري المتطوع أو المتطوعة بذلك بالطبع. وذهل العلماء عندما بينت النتائج اختيار هؤلاء المتطوعين والمتطوعات صور الوجوه التي تتماثل مع وجوهم بنسبة كبيرة جدا[1]ً.

ويبدو أن الأنانية أو قل النرجسية هي سبب هذا الارتباط. فالإنسان معجب بشكله(مهما كانت عيوبه)، ويقع في حب الشبيه الذي هو صورة أخرى منه، ظاناً أنها أجمل ما رأي في حياته.
ومن هنا ندرك لماذا الرجل منا يقع فريسة لاختياره الفتاة التي تشبهه دون أن يشعر. وأقول الرجل, لأن مسؤولية الاختيار تقع عليه فقط في مجتمعنا الشرقي. فيهيم بها، ويعتقد أنه لا يمكن الاستغناء عنها. ويزيد الطين بلة، اندفاعه للارتباط بها في أقرب فرصة تتاح له، متغاضياً عن نداءات العقل، وضرورة المعرفة الكاملة لتلك الفتاة التي يزمع الارتباط بها، هل هي ذات دين، أم فقط جميلة (في نظره وحده طبعاً).

ومن هنا نفهم أيضاً المثل القديم "الطيور على أشكالها تقع", وخطأ الكثيرين عندما يربطون بين هذا المثل وبين تطبيقه على هؤلاء المشتركين في صفات أو طباع واحدة، فالمثل يقصد أولئك المتشابهون في الشكل لا المضمون.

ويؤيد علماء النفس هذه النظرية من جهة أخرى، في نظرية التعلم. فيرون أن تعلم الكائن التمييز للوجه المألوف، لعب دوراً في تطور الكائن البشري. فعندما كان البشر يتنقلون على شكل قطعان ومجموعات تعيش في الطبيعة، كان هذا التعلم حينذاك، مسألة حياة أو موت بالنسبة للصغير، أي أن يتعلم التعلق بحاضن مألوف وأن يخاف من الغرباء. فبكاء الطفل أمام وجه غريب أنقذه من أن يكون فريسة سهلة لبعض الأنواع المفترسة.

وقبل هذه الدراسة بزمن طويل استغل مخرجو الأفلام هذه الحقيقة، فاختاروا للمثل الأول (البطل) بطلة تشبهه (أو اقرب الممثلات شبهاً به) لتقف أمامه في أفلامه. وكذلك فعلت شركات الدعاية للسيارات, حيث يتم عرض طراز السيارة الجديدة على بعض الوجوه الجميلة, واختيار قريبة الشبه لطراز السيارة لتظهر في الدعاية لهذه السيارة. كذلك يعلم دارسو الاعلام استخدام بعض مخرجي الصحف والمجلات تقاسيم وجه الإنسان لتقسيم أعمدة صحفهم... والأمثلة كثيرة ...

كذلك الوقوع في شباك الكبار!

ولجأ العلماء أيضاً إلى إجراء تجربة أخرى عرضوا خلالها على هؤلاء المتطوعين عدداً من صور الوجوه الجذابة في مراحل عمرية مختلفة. وكانت النتائج هنا أيضاً دراماتيكية, إذ يقول الدكتور بيريت : بدت النساء اللواتي لديهن آباء كبار في السن أقل اهتماماً بخطوط الوجه والتجاعيد التي ظهرت في الصور, في حين اهتمت النساء اللواتي لديهن آباء شبان بتلك التجاعيد، وأعربن عن عدم انجذابهن إليها, ويوحي هذا أنه كلما كان والداك كبيرين في السن تصبحين أكثر ميلاً للاقتران بشريك أكبر منك بكثير.
(الصورة للممثلين نيللي كريم ورامز جلال في إحدى الإفلام)

[1] جريدة الأنباء, 23/2/2002.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق