الأربعاء، 18 مايو، 2016

الحلم المصري!

"ليس المهم هو لون القطة الأهم أن تكون قادرة على اصطياد الفئران"!!
الزعيم الصيني الراحل دنج شياو بنج

هل ممكن لدولة نامية أن تحتل اليوم المرتبة الثانية ضمن أكبر اقتصاديات العالم؟
هل ممكن أن تصدر تلك الدولة للولايات المتحدة ما قيمته نصف مليار دولار أميركي يومياً؟
هل ممكن أن الدولة التي لم تشهد أي إنجاز علمي أو تكنولوجي قبل مائة عام وكان عدد الذين يعرفون حساب التفاضل والتكامل فيها لا يتجاوز عشرة أشخاص قد أصبحت اليوم هي الدولة التي نجحت ثلاث مرات في إطلاق سفينة فضاء مأهولة لتكون بذلك ثالث دولة في العالم في تكنولوجيا الخروج من كبسولة مركبة الفضاء؟
لابد أنك عرفت من هي هذه الدولة المعجزة أو الحلم ... إنها الإمبراطورية الصينية!
وأعتقد أننا في مصر أحوج الدول لهذا النموذج لتستكمل الثورة أهدافها وأحلام كل المصريين.
تحت عنوان: هل هو الحلم الصيني حقاً  ، نشرت مؤسسة الفكر العربي على موقعها: http://www.arabthought.org/  ما يلي دون تلخيص لأهمية كل كلمة فيها:
  لعلّ السؤال الذي يجب البدء به هو هل ما حدث ويحدث في الصين اليوم يرقى بالفعل إلى مصاف الأحلام ؟ الحقائق والمقارنات وحدها تقدّم الإجابة وتعفي من أي تنظير. أليس حلماً أن الصين التي كانت منذ ثلاثين عاماً فقط دولة نامية مجهدة ومثقلة بكتلة سكانية هائلة هي التي تحتل اليوم المرتبة الثانية ضمن أكبر اقتصاديات العالم، وهى الدولة التي تصدّر للولايات المتحدة الأميركية وحدها ما قيمته نصف مليار دولار أميركي يومياً، أجل.. يومياً وليس سنوياً أو شهرياً ؟ أليس من قبيل الحلم أن الدولة التي لم تشهد أي إنجاز علمي أو تكنولوجي قبل مائة عام وكان عدد الذين يعرفون حساب التفاضل والتكامل فيها لا يتجاوز عشرة أشخاص قد أصبحت اليوم هي الدولة التي نجحت ثلاث مرات في إطلاق سفينة فضاء مأهولة لتكون بذلك ثالث دولة في العالم في تكنولوجيا الخروج من كبسولة مركبة الفضاء؟
لماذا لا يكون الحلم صينياً والدولة التي كانت تعاني منذ عقود قليلة من أمية متفاقمة وتعليم متواضع قد حصدت جامعاتها أحد عشرة مركزاً متقدماً في تصنيف أفضل خمسمائة جامعة في العالم للعام 2009، والدولة التي أصبحت تملك-باستثناء الولايات المتحدة الأميركية- أسرع جهاز كومبيوتر في العالم، وتخصص في موازنتها للبحث العلمى في العام 2008 نحو 70 مليار دولار أميركي ؟ ألا يرقى الإنجاز الصيني إلى مصاف الحلم حين نعلم أن الدولة التي لا تمتلك سوى 7% من مساحة الأراضي الزراعية في العالم قد نجحت في إعالة وإطعام نحو 20% من عدد سكان العالم لتوفر للشعب بذلك أربعة مليارات وجبة غذاء يومياً؟! لنعترف أن الحلم الإنساني قد أصبح صينياً بامتياز حين نعرف أن الدولة التي يعيش فيها 900 مليون فلاح قد أصبحت هي نفسها الدولة الصناعية الحديثة التي تحتل المركز الثانى عالمياً في صناعة الطاقة، والمركز الثالث عالمياً في صناعة المعلومات، وها هي بصدد تحقيق إنجازٍ مبهر آخر من خلال إنشاء أكبر جيل قادم من الإنترنت حجماً في العالم.
ما الذي حدث بالضبط في الصين؟ لا شكّ أنه سؤال كبير يحتاج إلى إجابة بل إجابات مطوّلة. هل يمكن القول مثلاً لدواعي الإيجاز والتقديم أن كلمة السر في كل ما جرى لا تخرج عن همة المجتمع وإرادة الدولة؟ ربما لا تشبع مثل هذه الإجابة الفضول وقد لا تضيف جديداً، فليس هناك من تقدم في العالم لا تصنعه همة المجتمع وإرادة الدولة. الأرجح أن لكل منا إجابته الخاصة في تفسير الحلم الصيني. وقد يجرنا هذا التفسير إلى الاستغراق في التنظير من دون أن ندري. لكن الواقع- الأكثر بلاغة من كلّ تنظير- يؤكد أن ما حققته الصين في العقود الأخيرة إنما يرجع إلى عاملين أساسين هما البراجماتية والانفتاح. بدأ الفكر البراجماتي الجديد في الصين منذ ربع قرن من الزمان وتحديداً في العام 1984 حين أطلق الرئيس الصيني الراحل دنج شياو بنج مقولته الشهيرة "دولة واحدة بنظامين" وهو يشير إلى قبول الصين بالنظام الرأسمالي المطبق في هونج كونج التي عادت في ما بعد إلى الوطن الأم. كان الصينيون يطمئنون العالم بشأن الحفاظ على النظام الاقتصادي المطبق في هونج كونج وكأنهم يطمئنون أنفسهم وقد عقدوا العزم على أن يصبح النظام الاقتصادي ذاته للصين كلها. الجملة ذاتها تمَّ التعبير عنها بتشبيه صيني آخر في غاية البلاغة يوم قال الزعيم الصيني "ليس المهم هو لون القطة، الأهم أن تكون قادرة على اصطياد الفئران"!! كانت هذه هي الإشارات المبكرة للبراجماتية الصينية الجديدة. لكن هذه البراجماتية لم تكن تعني- لدى الصينيين- أن تتخلّى الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية، ولا سيما في مجالات التعليم والصحة. وهذا وجه آخر لبراجماتية ذكية ومرنة، مخططة ومدروسة.
الانفتاح هو أحد المداخل لفهم مسيرة النهوض الصيني العظيم. فهذا الانفتاح الصيني على العالم هو السبب الذي مكّنهم من أن تصل قيمة الصادرات الجمركية الصينية سنوياً إلى العالم وفقاً لأرقام العام 2008 إلى نحو تريليون و220 مليار دولار أميركي بينما بلغت وارداتها 955 مليار دولار أي بفائض ميزان تجاري قدره 265 مليار دولار. بينما الولايات المتحدة الأميركية تعاني من نقص في ميزانها التجاري يبلغ حوالي 800 مليار دولار أميركي، وبفضل هذا الانفتاح أيضاً استطاعت الصين أن تجذب إليها استثمارات أجنبية وصلت قيمتها إلى 880 مليار دولار أميركي، وذلك منذ بدء الانفتاح في العام 1979 وحتى العام 2006. والصين لم تعد دولة مستقبلة للاستثمارات الأجنبية فقط، بل غدت دولة مصدرة لاستثمارات صينية في الخارج حيث بلغ مجموع الاستثمارات الصينية خارج الصين في العام 2008 أكثر من أربعين مليار دولار أميركي. ومن المؤكد أن هذا التدفق الاستثماري الهائل على الصين لم يكن من فراغ، بل كان نتاجاً لمنظومة من قواعد وضمانات الاستثمار، ومناخاً مشجعاًَ يجب التعرف إليه والإحاطة بظروفه وتفاصيله، ولا سيما أن الصين بقيت دائماً وحتى الآن بلداً لا يأخذ بالليبرالية السياسية، وهذا في ذاته مظهر آخر للأعجوبة الصينية.
وكان طبيعياً أن يزيد الناتج الإجمالي المحلي لهذا البلد الذي يضج بالحركة والنشاط والإنتاج. لكن المدهش أن يصل هذا الناتج المحلي في العام 2008 إلى رقم قياسي ناهز السبعة تريليون دولار أميركي وهو ما يضعها مباشرة بعد الولايات المتحدة الأميركية التي يصل إجمالي ناتجها المحلي إلى 13 تريليون دولار وقبل اليابان التي حققت أربعة تريليون دولار أميركي. ولهذ أصبحت الصين بلداً جاذباً لأدمغته المهاجرة في الخارج وليس بلداً طارداً لها، وهي الظاهرة العكسية المحزنة التي يعاني منها المجتمع العربى. وتحقق الصين أكبر معدلات العودة لباحثيها الدارسين في الخارج إلى أرض الوطن مقارنة بالدول الأخرى.
ومن مظاهر انفتاحها على العالم أن الصين قد أوفدت خلال العشر سنوات الأخيرة ما يزيد على مليون باحث صيني شاب للدراسة والبحث في الدول المتقدمة، ويبلغ معدل عودة هؤلاء إلى الوطن الأم بعد انتهاء دراستهم أكثر من 90% من عدد الذين سافروا.
ولم يكن الانفتاح الصيني على العالم مجرد حاجة اقتصادية أو تكنولوجية فحسب، إنه رؤية استراتيجية شاملة ومتكاملة الجوانب تضم الثقافي والاجتماعي جنباً إلى جنب مع الاقتصادي والتكنولوجي. وكان تعلّم اللغة العربية أحد أدوات الانفتاح الصينى على العالم العربي. يأسرونك حين يقولون لك أننا متشابهون في التاريخ والحضارة والمعاناة. ويفضلون استخدام كل ما يشتق من كلمة الصداقة فلا يشعرونك أبداً أنك مجرد سائح أو متعاقد في صفقة أو مشارك في مؤتمر، مع أنك بالفعل أحد هؤلاء!! ومع أن الدوافع الحقيقية للانفتاح الصيني على العالم العربي هي دوافع اقتصادية وتجارية في المقام الأول إلا أن استخدامهم الشائع لكلمة الصداقة تعطي للمسألة بعداً إنسانياً دافئاً ربما تحتاج إليه في برد بكين الشديد !
ولكي يواجه الصينيون متطلبات الانفتاح على العالم العربي كان هذا التيار الجارف لتعلم اللغة العربية. فهناك اليوم أكثر من عشرين جامعة صينية يوجد بها أقسام لتعلم اللغة العربية وفي بكين كلية مستقلة لتعليم اللغة العربية. وفي كل عام يلتحق نحو 600 طالب صينى بهذه الجامعات والمعاهد لتعلم اللغة العربية. ولا شك أنهم يرون في العلاقات مع العالم العربي جزءاً من مستقبلهم الاقتصادي والتجاري. ولا شكّ أنهم منشغلون إلى حد الأرق بمسألة الطاقة واشباع حاجتهم التنموية المتزايدة من النفط. ولنا أن نتخيل أنه لا يوجد في الصين حالياً أكثر من 40 مليون سيارة، وبالتالى فلو ارتفع مستوى المعيشة بحيث يصل معدّل اقتناء السيارات إلى سيارة واحدة فقط لكل أسرة فلن يكفي الصين وحدها كل الإنتاج العالمي السنوي من النفط!!
وبالأمس نشر الكاتب سامي الإبراهيم، جريدة القبس، تحت عنوان: الزراعة خارج الحدود المحلية تحليلاً قيماً للصين أيضاً، ألخصه فيما يلي:
نُشر في نشرة متخصصة «لاند - ماتركيس» في أمور الزراعة والغذاء خبر يقول إن الصين رغم مساحتها الشاسعة تمتلك - أي الصين - أكبر مساحات زراعية خارج حدودها، تليها المملكة العربية السعودية ثم الإمارات، وتأتي قطر رقم 13 عالمياً من حيث ملكيتها أراضي زراعية خارج حدودها، تلك الملكيات موزعة في أفريقيا، شرق آسيا، دول جنوب أميركا اللاتينية... إلخ. استراتيجية ذكية هي استثمار حقيقي وذكي ومُجد أيضاً، عمره يمتد إلى ما لا نهاية إذا ما وظفت تقنية الزراعة الحديثة وتعاملنا مع العمالة الوطنية كشركاء محترمين، لا كعبيد، هو ليس كبقية السلع (النفط) مهما طال عمره فله نهاية، ونهايته كارثية  للدولة غير المنتبهة وليست قارئة جيدة للمستقبل، في جانب آخر هو أيضاً مجز لكل الأطراف، الطرف الذي امتلك الأرض وعمّرها، ومجز أيضاً للدول وشعوبها صاحبة الأرض الأصلية. فرص عمل غير محدودة، توطين للعمالة المحلية، وإذا ما التفتنا إلى الأمر أو الأمور الرديفة للزراعة، فهي كثيرة ومتنوعة، منها، على سبيل المثال لا الحصر، تربية الماشية، مزارع الدواجن، مصانع لمنتجات الألبان وأيضاً بناء مستودعات لتخزين الفائض من الإنتاج.

ويختم المقالة بكلمات دقيقة: ونرجو ألا نستمر نحن هنا في قراءة التاريخ وحده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق