الأحد، 31 مايو، 2009

ارتفاع ضغط دم السود عنه عند البيض


ارتفاع ضغط دم السود عنه عند البيض[1]

إن أحد التفسيرات التي كثيرا ما يستشهد بها حول تفشي ارتفاع ضغط الدم المزمن بين الأمريكيين السود عنه عند البيض، يرتبط بالرحلة من إفريقيا إلى أمريكا على متن سفن العبيد. وهي باختصار تقول بأن الذين بقوا على قيد الحياة ووصلوا إلى أمريكا هم الذين استطاعت أجسامهم (جيناتهم) الاحتفاظ بالملح، حيث أن السبب في موت أغلبهم كان نتيجة لمرض الجفاف والإسهال، وطبقاً لنظرية البقاء للأصلح، فإن الإفريقيين الموجودون في أمريكا تحتفظ أجسامهم بنسبة كبيرة من الملح، وهو ما يؤدي إلى فرط ضغط الدم.

ويرى بعض العلماء أن الأساس التاريخي للنظرية ضعيف إلى حد ما، فالإسهال وغيره من الأمراض فقدان الملح، وبخاصة لدى الأطفال، كانت من بين أكثر الأمراض المميتة في كل تجمع سكاني على امتداد تاريخ التطور البشري كله. وعلى هذا فما ينتج من ضغوط انتقائية تسببها مثل تلك الظروف ينطبق على الجماعات الجنسية والعرقية جميعها. كما عرف العلماء منذ مدة أن معدل فرط ضغط الدم في ريف غرب إفريقيا هو أقل منه في أي مكان آخر في العالم!

وإذا فرض أن هذه النظرية صحيحة، فكان عليه أن يخفض من كل حجم المجموعات السكانية والتفاوت الجيني لدى هذه المجموعات، لأنه لن يبقى على قيد الحياة سوى الناس الذين لديهم تركيبة جينية معينة، في حين أن البيانات المتوافرة تبين أن ثمة تنوعاً جينياً إلى حد كبير لدى الأمريكيين من أصل إفريقي. إن العزف على هذه النظرية لدي بعض الباحثين يعكس استعداداً لقبول التفسيرات الجينية حول الفروق بين البيض والسود من دون تقويم تام للدلائل المتوافرة. وهذا الموقف هو بوضوح عقبة ذات شأن في وجه البحوث المُحكمة، غير المتحيزة.

من هذه البحوث الأخيرة، قيام بعض العلماء بإجراء دراساتهم على الأصول الإفريقية في مناطق ثلاث هي نيجيريا، وجامايكا، والولايات المتحدة. وتم إجراء الاختبارات على عينات عشوائية أخذت من كل موقع لتحديد الانتشار العام لكل من فرط ضغط الدم، والعوامل المسببة له، كتناول غذاء غني بالملح والسمنة وقلة النشاط الجسمي. وكما هو متوقع، كانت الاختلافات بين هذه المجتمعات الثلاثة كبيرة. فالمجتمع النيجيري الذي تم دراسته هو مجتمع ريفي، وسكانها بصفة عامة ناحلون، ويمارسون أعمالاً زراعية تؤمن لهم القوت، وتتطلب جهوداً عضلية، ويتالف غذاؤهم التقليدي من الأرز والدرنات والفواكه. وعلى نقيض ذلك نرى الأمر في جامايكا التي تسير على طريق الاقتصاد الصناعي، وتنخفض فيها أخطار الأمراض المعدية إلى درجة كبيرة، وعلى الرغم من الفقر الواسع الانتشار، فإن الأجل المتوقع في جامايكا أطول بست سنوات مما هو بين السود في الولايات المتحدة، والسبب في ذلك هو انخفاض معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وبالسرطان. وفي منطقة قرب شيكاكو (مايوود) تمت الدراسة على عدد كبير من المتقدمين بالسن، ويلفت الانتباه أنهم يتمتعون بمستوى صحي متقدم، حيث أن أعمالهم خاضعة لقوانين نقابية في مجال الصناعة الثقيلة تؤمن أفضل الفرص. والقوت السائد هو الطعام الأمريكي النموذجي، وهو غني بالدهون والملح.

هذا وقد تبين أيضاً أن الاغتراب الذي تعرض له الإفريقيون وسيلة قوية لتقييم تأثيرات تغير المجتمع والبيئة في موروث جيني ثابت نسبياً. صحيح أنه من العسير قياس أنواع الكرب النفسي والاجتماعي وبخاصة في ثقافات متباينة، ولكن مما لا جدال فيه أن السود في أمريكا الشمالية وأوروبا يواجهون نوعاً فريداً من الكرب هو التحيز العرقي. ومما يستحق الذكر أن السود في بعض الجزر البحر الكاريبي، بما فيها ترينيداد وكوبا والمناطق الريفية من بورتوريكو، لديهم متوسط ضغط دموي يساوي تقريباً متوسط ما هو عليه في المجموعات الجنسية الأخرى التي تعيش بينها، ولربما كانت العلاقات بين الأجناس (الأعراق) المختلفة في تلك المجتمعات تشكل إهانات أقل، ولذا توفر على الجهاز القلبي الوعائي إيذاء أقل مما هو في الولايات المتحدة الأمريكية.

بقى أن نعرف أن فرط ضغط الدم hypertension وهو الاصطلاح المعتمد لارتفاع ضغط الدم المزمن. ويمكن لهذه الحالة أن تسهم في صمت في إحداث أمراض القلب والسكتة الدماغية stroke والفشل الكلوي renal failure ، وهي السبب في وفاة نحو 500.000 شخص كل عام.



[1] مجلة العلوم، الترجمة العربية، المجلد 15، العدد 10، أكتوبر 1999، ص 48.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق