الأحد، 4 ديسمبر، 2016

في بيتنا انقلاب (3)

اللوحة الثالث ( المسرح خالي، يدخل نائب الرئيس في البهو منتظراً في ملابس عجيبة)

الرئيس:         
من ؟  فوزي ؟!
فوزي :
أنا يا سيدي .. أخبار غير سارة .. احتفظ بضبط النفس.
الرئيس:         
قل بسرعة .. ماذا حدث ؟  ولماذا تلبس هذا الزي الغريب ؟
فوزي :         
انقلاب يا سيدي ..
الرئيس :
(يجلس منهكاً على الكرسي) انقلاب ؟  كيف ؟  من ؟  متى ؟
          فوزي :
احتل مجهولون مبنى الإذاعة .. وأذاعوا نبأ إلغاء اجتماع المجلس اليوم .. وسيتم موافاتنا بالتفاصيل بعد قليل .. وانتهزت هذه الفرصة لآتي إليك متخفياً في هذا الزي، وخرجت من الباب الخلفي بعيداً عن أعين الحراس المحيطين بالمنزل..
(يمد الرئيس يده بسرعة إلى مفتاح المذياع)
المذياع:
(صوت نسائي) جاءنا البيان التالي .. نرجو من جماهير شعبنا العظيم عدم مغادرة منازلهم إلى أعمالهم صباح اليوم .. فقد أعلنت الحكومة حظر التجول من الساعة الثامنة من صباح اليوم إلى أجل غير مسمى .. (ثم تهتف) تحيا ثورة النساء (موسيقى وطنية جديدة)..
الرئيس:
هذا عبث .. هذا لهو .. هذا هراء .. ثورة نساء ؟ هأهأ ... يا للمهزلة!
المذياع:
(تتوقف الموسيقى ..نفس الصوت النسائي) جماهير شعبنا العظيم .. جاءنا البيان التالي من مجلس النساء الحاكم .. تولى صباح اليوم بإذن الله وعونه، مجلس نساء بلادنا المزدهرة مقاليد الحكم .. وستلقي السيدة منى عبد المجيد مديرة الإذاعة والتليفزيون الخطبة الرئاسية بالنيابة عن المجلس .. (تهتف) تحيا ثورة النساء..(الموسيقى الوطنية .. بعد قليل تتوقف الموسيقى.. صوت ناعم رقيق ساحر) .. يا جماهير شعبنا العظيم .. اليوم ونحن نمسك بمقاليد الحكم في البلاد .. نبدأ بذلك أول حركة إيجابية في طريق إنهاء حكم الرجل،  ذلك الحكم الذي انتهى من بلادنا من مدة غير قصيرة في الواقع .. لنمسح بذلك دموع أهل البلاد التي طالما قاست من سلبية الرجل وأخطاء الرجل ونتائج حكم الرجل .. التي أدت إلى تدهور اقتصاد بلادنا رغم وعوده الكثيرة بالرخاء،  ونشر الخوف في قلوبنا بدلاً من الأمان .. مع ذلك لا يجب أن يظن الرجل أننا ضده .. فالرجل هو الأخ والزوج والابن .. ونعد الرجل أننا سنكرمه ونضعه في المكان اللائق .. ولن ننقص من كرامته أو نمس شرفه .. وسيعيش بيننا كريماً طالما لم يخرج عن الدستور .. مع أطيب الأمنيات .. (تهتف) تحيا ثورة النساء (الموسيقى الوطنية).

(يحاول الرئيس السابق الاتصال بالهاتف،  يجد الخطوط مقطوعة .. ويحاول مع نائبه الخروج فيمنعهما الحراس)

فوزي :
سيدي .. لا داعي للغضب .. ويجب أن نحتفظ بضبط النفس في هذه اللحظات الحرجة .. كما يجب أن نتصرف بحكمة..
المذياع :
(تتوقف الموسيقى) جاءنا هذا النبأ من مجلس نساء بلادنا المزدهرة: بالإشارة إلى قرار منع التجول الذي صدر صباح اليوم من مجلس نساء بلادنا المزدهرة .. مازال هذا القرار سارياً باستثناء خروج النساء .. فيمكن للنساء فقط النزول للتسوق لجلب احتياجات منازلهن وأسرهن.
الرئيس :
هذا شئ مثير للضحك . (ويبدأ في الضحك) إذن النساء تولين مهام الرجال؟
فوزي:
(ساخراً أيضاً) نعم .. نجلس نحن في المنزل (يضحك)
الرئيس:
(ساخراً) ولن نكون مضطرين بعد اليوم للاستيقاظ مبكراً للذهاب للعمل (يضحك).
فوزي:
نعم .. نعم (ضاحكاً) ويمكنك أن تنام إلى أن يدخل الشمس إلى حيث سرير نومك ويلفعك (يضحك).
الرئيس:
(يضحك) ونصحو متأخرين لنجهز طعام الغذاء لزوجاتنا
فوزي :
(يضحك) وإذا لم تنته من إعداد الطعام قبل مجيء زوجتك،  فمن الممكن أن تحتج بوعكة صحية، لأن الرجل سيكون معرضاً للمرض الكثير وهو جالس في البيت، ألن يكون هو الجنس الناعم الضعيف ؟
الرئيس :
لكن .. هل سنخفي حبنا لزوجاتنا كما كن يفعلن معنا ؟
فوزي:
نعم، وستبذل كل زوجة لزوجها من الكلام الجميل الكثير،  وسيقمن بمغازلتنا، ويطاردننا داخل البيت من غرفة إلى غرفة، ومن الصالة إلى المطبخ للإمساك بنا (يضحك).
الرئيس:
وسيتقدمن لأهالينا ليطلبن الارتباط بنا (يضحك).
فوزي:
أنا أشك في قدرتهن على الحب والزواج عن حب.  فلا يمكن أن يتغيرن في يوم وليلة،  من تقييم المتقدم لخطبتهن بماله وقدرته على توفير الرفاهية لهن، إلى جعل الأولوية فيمن يخترن حسب الوضع الجديد القيم الأخلاقية والحب والجمال.  خاصة أن التاريخ الطويل لشرقنا لم يثبت أي حالة حب إلا من طرف واحد وهو الرجل.  قيس يحب ليلى وتتزوج غيره، عنترة يحب عبلة وتتزوج غيره وهكذا ..
المذياع:
(مقاطعاً الضحك الهستيري) جاءنا هذا النبأ من مجلس نساء بلادنا المزدهرة :  يجري المجلس أول اجتماعاته الميمونة إن شاء الله هذه الساعة، لانتخاب الهيئة العليا التي ستحكم البلاد .. (موسيقى وطنية).
الرئيس:
لا أصدق .. غير معقول..
فوزي:
وهل كل ما كان يجري من حولنا معقولاً.  نحن عملنا بقدر طاقتنا ووصلنا بأنفسنا وببلادنا إلى طريق مسدودة .. غيرنا الوزراء أكثر من مرة .. واستعنا بأعظم خبراء بلادنا .. ولكن كل شئ سار إلى الانحدار بقوة غريبة كالسيل لم نستطع أن نوقفه.  وأنا راض بهذا التغيير .. فقد يكون حظهن أحسن من حظنا.
الرئيس:
ما هذا الهراء الذي تقوله،  هل جننت ؟ هل أطار الحادث صوابك وعقلك؟
فوزي :
الجنون هو أن نحاول أن نهرب من الواقع الجديد.
الرئيس:
ما يحدث لا ولن يقبله أي رجل في بلادنا.
فوزي :
لماذا؟  ألم يقبل الرجل أن تتساوى معه المرأة وطلب مشاركتها  في بناء عش الزوجية؟  ألم يعتمد المستثمرون الرجال على المرأة حين عينوهن في المراكز القيادية في المصانع والشركات الكبرى بحجة أن النساء هن اللاتي يتحكمن في ما تستهلكه الأسرة، وبالتالي فالنساء يعرفن أذواق قريناتهن ورأيهن في السلع المختلفة.  ألم تلاحظ أن إعلانات كافة المنتجات موجهة إليهن بل هن المسيطرات على الإعلانات نفسها.
الرئيس:
وأين رجالنا من كل هذا ؟
فوزي :
الرجال بعد هزائمهم المتتالية في الحروب، وفشلهم في الخروج من المآزق الاقتصادية أو السياسية، وانتشار البطالة في صفوفهم، أصبحوا نهباً لأمراض السكر وضغط الدم والقولون العصبي، الذي ساهم في تدهور جهاز المناعة لديهم، وأدى إلى قلة قدراتهم على مقاومة الفيروسات والميكروبات، والنتيجة خضوعهم التام لزوجاتهم.
الرئيس:
(بعد صمت طويل) كل هذا كان يحدث ونحن لا ندري أو نخفي عن نفسنا هذه الحقائق المُرة .. كما تخفي النعام رؤوسها في الرمال..
المذياع :
(مقاطعاً) جاءنا النبأ الآتي من مجلس النساء في بلادنا المزدهرة : بموافقة أغلبية المجلس،  فقد تم انتخاب السيدة / فاتن محمود رئيسة للمجلس وللدولة، والسيدة / ليلى السيد علي نائبة للرئيس .. (يختفي الصوت مع انطلاقة حديث الرئيس)
الرئيس:
(ينهار ويجلس منهكاً على الكرسي ويصرخ) زوجتي فاتن رئيس للمجلس .. كلا .. كلا.. .
فوزي:
(يصرخ) وزوجتي ليلى نائبة للرئيس .. هذا ليس انقلاباً في الدولة،  إنه انقلاب في بيتنا (يجلس منهكاً على الكرسي أيضا) .. هذا تفسير لخروجهن مبكراً ودون إذن هذا الصباح..

(تخفت الأنوار .. ويسدل الستار).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق