الأحد، 18 ديسمبر، 2016

في بيتنا انقلاب (5)



الفصل الثالث


 (قاعة محكمة .. منصة في وسط المسرح الخلفي .. يظهر في منتصفه مدخل صغير لدخول القضاة.. تقف بجانبه حاجبة، تعلن دخول القضاة، وينتصب من في القاعة وقوفاً عند دخول أول القضاة.  تدخل القاضيات الجدد في زي جميل أصفر موحد، ويجلسن خلف المنصة.  وعلى يسار المسرح قفص يجلس فيه متهم تحرسه جندية).

رئيسة المحكمة:
(تشير إلى ممثلة الإدعاء) أقرئي قرار الاتهام !
ممثلة الإدعاء  :
أيتها السيدات الأفاضل .. نحن أمام أول قضية، المتهم فيها كاتب مشهور، استغل حرية الرأي التي كفلتها له زعيمة أمتنا، ليشير في مسرحيته الأخيرة " في بيتنا انقلاب" والتي تم مصادرتها  ما يستخلص منها أنه تحريض لقلب نظام الحكم .. ومؤيد لحركة التمرد الرجالي المحظور.. فهو يقول في المشهدالأخير بالنص على لسان إحدى الشخصيات "أنني ما دعوت المرأة للقيام بانقلاب،  إلا لأوقظ رجال دولتنا من سباتهم العميق".  والإدعاء يطلب من المحكمة عدم اتخاذ الرافة مع المتهم .. والحكم بالإعدام للخيانة العظمي.
رئيسة المحكمة:
(متجهة إلى المتهم) : الاسم
المتهم :
محمود الحكيم
رئيسة المحكمة:
تريد المحكمة أن تستمع إليك قبل الدفاع.  وهل أنت مذنب أم غير مذنب ؟
محمود :   
أنا غير مذنب. وسيتولى الدفاع عني تفنيد اتهامات ممثلة الإدعاء العام التي لا تقوم على أي أساس من الحقيقة أو الواقع.  وسأكتفي هنا بتوضيح ملابسات هذه القضية من وجهة نظري، لو سمحت المحكمة.

رئيسة المحكمة:            المحكمة سمحت لك ... اتفضل.
محمود          :   صحيح أنني بدأت حياتي كاتباً مدافعاً عن حقوق المرأة.  وأفكاري كانت سبباً في يقظة نساء بلادنا، والتي أوصلتكن إلى سدة الحكم على أنقاض حكم الرجل.  وبما أن حكم المرأة كان هدفاً لنساء دولتنا،  فإنه بالنسبة لي كان وسيلة لهدف أكبر وهو أن أجعل من رجالنا رجالاً حقيقيين، يستحقون عن جدارة احترام نساء دولتنا ( ضحك نسائي في القاعة).   فأنا لا أرى الكون من منظور الرجل فقط ، الذي لا يرى إلا آدم قبل خلق حواء والأرض.  ولا أراه من منظور المرأة فقط ، التي لا ترى إلا بداية حياة الإنسان على الأرض وحكم المرأة للبيت قبل الرجل.  إنما أرى العالم والكون وفيه أول منظر رائع، صورة حواء وهي تعتمد على ذراع آدم،  وآدم وهو يستند على حواء.  لا أرى العالم والكون إلا في تجدده وتوسعه المستمر على النمط الأول الطبيعي.
          إن على النساء وقد سدن الآن،  أن يكن موضوعيات وهن يهاجمن الرجال. ويجب ألا ينسين ما آل إليه مصير الرجال الآن، حقيقة الرجل المطلقة.  فهم على مر التاريخ صانعوا الحضارات، ومنهم فقط كان الأنبياء والحكماء،  ومنهم فقط كان قادة الثورات في العلوم الفيزيائية والكيميائية وغيرها …
          إن الجنس البشري – كما نعلم – نوعان ذكر وأنثى.  ونعلم أن الأنواع لا تندرج تحت جنس واحد إلا إذا كان فيهم قدر مشترك يجمعها.  ونعلم أن الجنس لا ينقسم إلى نوعين إلا إذا كان فيهما شئ مختلف يجعل هذا نوعاً وذاك نوع آخر.  ولولا وجود الشيء المختلف لما كان الجنس نوعان.

          صحيح أن الشكل والخلقة واحدة في أن للرجل رأس وللمرأة رأس وأجهزة متشابهة،  ولكن لكل منهما خصوصية بيولوجية.  فلا يستطيع نوع أخذ خصوصية النوع الآخر.  ويبدو ذلك واضحاً في المرأة.  مثلاً: إذا ساويت المرأة بالرجل، وأعطيت لها مجالات الرجل وبقيت مجالات التي لا يمكن للرجل أن يشاركها فيها مثل الحمل،  فأنا أحمل المرأة عبئاً فوق طاقتها، وأسبب لها متاعب أخرى.

          إن المطلب الحقيقي والذي لم يستطع أحد – رجلاً  كان أو امرأة – إلى الآن إجلائه بوضوح هو : لماذا لجأت المرأة إلى طلب المشاركة في خصوصيات الرجل ؟  بمعنى آخر : ما قيمة خصوصية المرأة في نظر المجتمع ككل، رجالاً ونساءً ؟

          إن نظرة الرجل الخاطئة إلى قيمة عمل المرأة الزوجة في خصوصيتها، والتي غذتها المرأة نفسها في نفوس بناتها، وضاعفتها الدولة لحل مشكلاتها الاقتصادية، أدت من ناحية إلى تنامي نظرة الاحتقار إلى عمل المرأة الزوجة في خصوصيتها، ومن جهة أخرى ضاعفت الشعور بالدونية وحقارة قيمة هذه الخصوصية في المرأة نفسها،  دون ذنب جنته في هذا الاختصاص الطبيعي الإلهي.  فكان الشرك الذي أوقع المجتمع كله في تناقضات تمس أخص خصائص عقيدتها، وأدت إلى النتائج السيئة والشريرة التي لا راد لها.

          وإذا كان كل نداء بالإصلاح يشارك فيه كل علماء المجتمع مهما اختلفت تخصصاتهم.  فأرجو ألا يُدلي علماء الاقتصاد بدلوهم في النتائج الاقتصادية لندائي بعودة المرأة إلى العمل في خصوصياتها،  لأن الحالة الاقتصادية عامل متغير متقلب دوماً بين الرخاء والعجز،  بين الغنى والفقر. وتدخلهم في هذا الأمر، يربط بين زائل متغير وبين حقيقي ثابت.  هذا إذا كانوا يبحثون فعلاً عن حل حقيقي للتناقضات الموجودة في مجتمعنا.  وإن كنا لا نقلل من شأن حججهم وتأثيرها السريع والفعال في كل تغير في المجتمع الإنساني. اكتفي بهذا القدر تاركاً المجال للدفاع.

رئيسة المحكمة:          الدفاع تتفضل.
الدفاع           : أيتها السيدات، إن أعمال موكلي معروفة وليست خافية على أحد. وأن الدور الكبير والأساسي لقيام دولتنا والتي لعبها موكلي لا تحتاج إلى تبيان أو توضيح.  وإذا كان الهدف الأول للقضاء ونحن جميعاً نساؤها،  هو المحافظة على سلامة المجتمع.  فإن موكلي لم يكن يهدف من مواقفه،  وقد سمعنا جميعاً دفاعه وآراؤه منذ دقائق، إلا إلى المحافظة على سلامة المجتمع وتطوره في الطريق الصحيح.  وإن اتهامه بالخيانة العظمى للدولة من منظورها الواسع العام لا يستند إلى أي أساس من الحقيقة أو الواقع. 
دعونا نسأل أنفسنا، منذ شهور بدأ حكم النساء في دولتنا.  ماذا قدمت النساء من جديد في الدولة .. في السياسة الداخلية أو الخارجية أو غيرها من جوانب الحياة ؟  الإجابة ستكون : لا جديد. ثم دعونا نلج لسؤال آخر : ما هي نتائج حكم النساء حتى الآن ؟

الإدعاء العام  :
إن كلام الدفاع خارج عن صلب القضية.
رئيسة المحكمة:
اعتراض غير مقبول. على الدفاع أن يواصل.
الدفاع :
إن كلامي ليس خارجاً عن صلب القضية.  إن المتهم من كبار المفكرين المعترف بهم في الدولة، وهو كان الممثل الأول للدولة في المحافل الدولية كمفكر.  ومحاكمته يجب أن تكون من هذا المنظور.  فقد سمحت له الدولة بالتعبير عن فكره بحرية، ولا يمكن أن نحاسبه بعد ذلك عندما يفكر بحرية.  صحيح أن غيره له حرية الكلام فقط لا حرية التفكير.  إلا أنه كما قلنا اختص باحترام الحاكمة والدولة والعالم من منطلق تعبيره الحر عن أفكاره.

نعود إلى الإجابة عن السؤال الذي أثرناه،  ما هي نتائج حكم النساء حتى الآن؟  إن أول ما دمرناه هو نصفنا الآخر .. الرجل.  وكما ظلمنا الرجل، ظلمناه.  وبدلاً من أن نقيم العدالة في المجتمع،  حل الظلم. إن حرية المرأة في الواقع بدأت منذ زمن غير قليل، ورغم ذلك لم تستطع المرأة حتى الآن أن توقف أشكال الاستلاب لإنسانيتها.  فهي إعلان على كل سلعة، من زجاجة العطر إلى السيجارة، من أدوات التجميل إلى أمواس الحلاقة.  إذا كانت صور المرأة في عهد الرجل احتلت أغلفة مجلات وصحف الدرجة الثانية،  فهي في عهد حكم المرأة وحرية المرأة أصبحت على كل الأغلفة وعلى صفحات الصحف حتى المحترمة منها،  دون سبب أو هدف مقنع.  إن الإعلان أدى إلى تشيوء المرأة أولاً، وتعدى ذلك إلى مكننة المرأة ثانياً. أي إهانة أصابت المرأة في عهد حرية المرأة وحكم المرأة؟

اتهمنا الرجال بأنهم أصبحوا أشباه رجال.  وكان الاعتقاد أن الهدف من الدولة الجديدة أن نعيد للرجل رجولته، ولكن النتائج جاءت عكسية، إذ أن المرأة بعد أن أصبحت رئيسة ووزيرة وأخذت كل السلطات، بحثت عن جدار تستند عليه فوجدت الرجل يريد أن يستند عليها بعد أن تحول إلى إنسان مسلوب السلطات ولم تعد له الكلمة.

ونتساءل : ما هي نتائج القوانين المتكررة لسلب حقوق الرجل؟  إن أبسط أسلوب لإنجاح أي تجمع بشري للاستفادة بأقصى إمكاناته وطاقاته هو توزيع الأعمال وبالتالي تتساوى الكفتان.  وهذا ينطبق على القانون أيضاْ.  حتى لا يختل التوازن بين أفراد المجتمع،  يجب أن نوازن بين الواجبات والحقوق. الواجبات كتوزيع الأعمال، والحقوق كنتائج هذه الأعمال.  أما الاستئثار بالنتائج دون عمل يقابله يخل بالتوازن.  ومطالبة الرجل بواجبات تفوق حقوقه يخل بالتوازن. وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه الرجل في عصر تسيده.

إن أهدافنا جميعاً يجب أن تتفق مع هدف هذا المفكر الذي نضعه ظلماً في قفص الاتهام.  يجب أن يكون هدفنا أن نسترجع نصفنا الآخر إلينا أولاً  .. لأننا لا نستطيع أن نعيش نصف حياة. ونعيد للرجل رجولته ثانياً، ليرهب الطامعين في بلادنا،  ويحرر أراضيه المغتصبة، وحقوقه المستلبة في الحرية والديمقراطية. ونقول مع الشاعرة :

مزاجي أن أتزوج يوماً
صهيل الخيول الجميلة
فكيف أقيم علاقة حب
إذا لم تعمد بماء البطولة
وكيف تحب النساء رجالاً بلا رجولة

ونتساءل معها :

ماذا تريد النساء من الحب إلا
قصيدة شعر
ووقفة عز
وسيفاً يقاتل ؟
وماذا تريد النساء من المجد
أكثر من أن يكن بريقاً جميلاً
بعيني مناضل؟ *

صوت من القاعة:
يحيا العدل
أصوات :
يحيا العدل
رئيسة المحكمة:
هل انتهى الدفاع من دفوعه ؟
الدفاع           :
نعم.  وشكراً.
رئيسة المحكمة:
(بعد أن تناقش بصوت هامس القضاة اللتين تجلسان بجوارها) الحكم بعد المداولة.
(يخرجن، ويستدل ستار الختام)





































































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق