الثلاثاء، 1 سبتمبر، 2015


كلام جد

لماذا...؟

الأديب النوبي الكبير/ حسن نور

 

قصر عمل النوبي على الأعمال المعاونة

لماذا عُرف عن النوبيين أنهم لا يزاولون غير الأعمال المعاونة مثل الطهي والحراسة والخدمة والمراسلة ثم كسائقين، حتى أن بعض الأثرياء حين يعلنون عن حاجتهم لمن يقوم لهم بهذه الأعمال يشترطن أن يكون نوبياً؟

عنصرية الكتاب والمخرجين

ومازال بعض مخرجي الأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية يصرون على إظهار النوبي وهو يقوم بأحد هذه الأعمال على الرغم من تخلي النوبيون عن هذه الأعمال في الوقت الحالي بعد أن نال معظمهم قسطاً وافراً من التعليم حتى أن بعضهم اعتلى أعلى المناصب في شتى المجالات، وعُرف منهم الأدباء والكتاب والفنانين والمستشارين وأساتذة الجامعة .. الخ،  ولم يشفع لهم ذلك إظهارهم على الصورة الحالية في وسائل الإعلام ولا في الأعمال الفنية المختلفة لأن المجتمع المصري قائم على التمييز العنصري، لا يأخذ في اعتباره إلا ذوي البشرة البيضاء ... فهم الأسياد الذي يجب أن نسلط عليهم الأضواء، وهم المحترمون، وهم النابغون، الأذكياء الذين يُشار إليهم بالبنان،  وكل ما عداهم خدم وعبيد، أو أهم خاملون، متخلفون. تأمل: نظرتهم للصعايدة وتناولهم للفلاحين في هذه الأعمال؟

 

ولكن لماذا انصبت نظرتهم إلى النوبيين على أنهم لا يصلحون إلا لمزاولة هذه الأعمال التي اشتهر بأداء أدوارها في الأفلام القديمة الممثلون محمد كامل وعلى الكسار، وفي الوقت الحالي محمد الأدنداني وصلاح يحيى – وللأسف أنهما نوبيان – الذين يظهرونهم سود البشرة ويتحدثون باللهجة المصرية المحرفة إذ يقلبون فيها ضمائر المؤنث والمذكر بحي يحل كل منهما محل الآخر، على الرغم من أن هذه الظاهرة اختفت من الواقع، ولكنه الإصرار على "الإفيهات" السمجة والإضحاك على حساب الآخرين.

 

ولكن – مرة أخرى – ما السبب وراء انتشار هذه الظاهرة في الماضي..؟

كان النوبيون من جيل الآباء يعيشون في قراهم النوبية آمنين مستقرين، يزاولون أعمالاً بعينها، فمعظمهم كان يعمل في فلاحة الأرض والقليل منهم كان يزاول أعمالاً متصلة بالفلاحة مثل حداده ونجارة السواقي (تَبِدي ونجاري) والبعض كان يزاول التجارة والبعض الآخر كنوتيه (مراكبية).  وبعد بناء خزان أسوان عام 1902، ثم تعليته مرتين 1913 و1933،  طغت المياه على الأراضي الزراعية وأغرقتها، وأصبح كل النوبيين بعد ذلك عاطلين بدون عمل، فاضطروا للنزوح إلى المدن الكبرى خاصة القاهرة والأسكندرية ومدن القناة سعياً وراء الرزق، فماذا يعملون وهم لم يكتسبوا أي خبرات عملية في قراهم؟  فكان لابد أن يزاولوا أعمالاً لا تحتاج لأية مهارة، فعملوا لدى الأسر الارستقراطية كخدم وبوابين، ثم تعلموا الطهي فيما بعد وقيادة السيارات،  ولأنهم عُرفوا بالأمانة والنظافة وعدم الميل إلى كثرة الكلام آثرهم أصحاب الأعمال على غيرهم، وهكذا استمر الحال على هذا المنوال لسنين طويلة.

 

والآن وبعد عدة سنوات نال الكثير من الأجيال النوبية التي خرجت إلى الحياة بعد سنوات القحط قسطاً وافراً من التعليم في جميع المجالات ... الهندسة والتجارة والحقوق والطب ... الخ،  حتى لم يَعد أحد يزاول الأعمال المعاونة حالياً،  وشغل الخريجون النوبيون مراكز مرموقة في جميع المجالات،  فهل شفع لهم هذا تغيير نظرة المخرجين المصريين ليظهروهم في أفلامهم مثلما يظهرون غيرهم من مواطنيهم بيض الوجوه..؟

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق