الاثنين، 31 أغسطس، 2015

«أضحى النوبة» عيد الرجال


العيد أشرق نوره       ù      والبِشر قد عم الأنام

أحياكم المولي إلى     ù      عيد الهنا في كل عام

 عيد الرجال، هكذا يطلق النوبيون على عيد الأضحى، وللمسمى تاريخ عندهم، يبدأ مع الستينيات عندما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بناء السد العالي، وتم تهجير النوبيين من قراهم، واضطر الشباب للسفر إلى العاصمة وبعض المدن وإلى دول الخليج للعمل، ويأتون في كل عيد أضحى، ليس لقضائه وسط الأهل فحسب، ولكن لإقامة أعراس الشباب والفتيات أيضاً، كما يقوم الرجال بذبح الأضاحي وبجميع الخدمات المصاحبة لهذا الاحتفال ومن هنا سمى «عيد الرجال».


قطار «مخصوص النوبة»

هو القطار، الذى ينطلق من القاهرة والإسكندرية 3 مرات سنوياً، بمناسبة عيد الأضحى. ويتكرر ظهور أمواج النوبيين أصحاب البشرة السمراء، الذين بدوا رغم أصولهم التي تتبع 44 قرية، وكأنهم أبناء قرية واحدة أو شارع واحد أو حتى منزل واحد، الجميع يتخذ نفس الوضعية، فيما كانت حقائبهم وكراتين خاصة بهم ملقاة على رصيف رقم 9 فى محطة مصر. كل قرية خصص لها عربة محددة، أفراد تابعون لكل منها يرشدون أبناء قريتهم عن مكان تجمعهم على الرصيف، الأمور تسير فى سريالية فريدة، المشهد لخلية منظمة جداً، يبدأ دائماً فى الجمعيات النوبية فى القاهرة، التى تنسق مع هيئة السكك الحديدية، على تنظيم رحلات يخصص لكل منها قطار بأكمله، وتقسم التذاكر على جميع الجمعيات بالتساوى، بقيمة مخفضة جداً.


أول أيام العيد

 عيد الرجالة، أو عيد الأضحى، فى تلك الأرض التى تحترف الفرحة، وتعشق الابتسامة، تهوى اللمة والسمر والضحك والرقص والحكايات بتكتيك خاص ومذاق مميز وأسلوب فريد، وكان من الطبيعى أن ننتظر منها عيداً آخر بشكل وطعم وصوت مختلف، وكعادتها النوبة .. لا ترد سؤالاً لسائل، ولا تمنع عابراً من ضيافتها البشوشة، ففتحت لنا تراتيل العيد، ورسمت صفحاتنا وكادرنا بألوان جديدة للعيد. المشهد الأول «التكبيرات السبع»: صوت التكبير والتهليل يوقظك من نوم هنىء بهذا المنزل المكيف طبيعياً، لتدخل الشمس من جميع حجراته، جلباب أبيض وجرجار أسود ووجوه تصافح السلام والهدوء وتحتضن الفرحة، «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد»، هكذا تخرج القرية على بكرة أبيها إلى المسجد الوحيد الموجود بالقرية، الذى يجمع العائلات الثلاث التى ينتسب إليها كل الموجودين ليلبوا التكبيرات السبع لصلاة العيد، الأطفال يخرجون عن المألوف فيرتدون التيشرت والجينز، فى عرض خاص باليوم الأول من العيد الأضحى، أما الشباب العائدون من دول الخليج والغردقة وشرم الشيخ، بعد عام من الغياب، فيخلعون الجينز والتيشرتات ليعودوا مرة أخرى إلى أحضان الجلباب والعراجى فى صورة اشتاقوا إليها طوال العام.


500 عريس وعروس

فى جلسة على «العنجريب»، أو السرير النوبى القديم المصنوع من جذوع الشجر، فتح لنا الخال صالح كنوز الجنوب، لنستعرض قصة «مخصوص النوبة»، بدايتها وهدفها وتاريخها، الخال صالح محمد صالح، كما قدمه لنا الشباب كان بمثابة مفتاحنا السحرى لحل لغز الرحلة النوبية السنوية، بعد أن سارع إلينا ليفض جعبة ذكرياته وحكاياته عن تاريخ النوبة. بدأ «الخال صالح»حديثه قائلاً: «إحنا ما نقدر نبعد عن مصر وضلها، لكن لازم تعرفوا تاريخ النوبة وتقدروا أهلها، إحنا تاريخنا بيتحرف ولا نستطيع أن نجزم من وراء هذا التحريف، فعلى سبيل المثال توت عنخ آمون الملك الفرعونى، كان اسمه نوبياً، وهو (تود أنجا آمن)، أى (الولد ابن النيل)، وهكذا تم تحريفه، وأيضاً (نفرتارى) الجميلة، كان اسمها نوبياً وهو (نفرتى جا آرى)، وتعنى (أخذة الروح ).

يصمت متأثراً قبل أن يعاود حديثه قائلاً: «ليس هذا فقط ما يتعرض للتحريف، فأغلب الشباب النوبى الآن لا يعرف الرطان، أى اللغة النوبية، وأمامنا سنوات قليلة وتندثر لغة النوبة سواء الماتوكية أو الفاديكية».


وكان أرشيف «الخال صالح» فرصة ذهبية لنسأله عن سر الاهتمام بعيد الأضحى فى النوبة دون أى من المناسبات الأخرى، فابتسم قائلاً: «لأنه عيد الرجالة، فالنوبيون منذ وجودهم فى النوبة القديمة يعملون بالقاهرة، بمهن تحتاج لشخص أمين ولا يوجد على أرض مصر، من هو أكثر أمانة منهم، وفى عيد الأضحى فقط، كان الرجال يعودون إلى القرى، فتقام الاحتفالات بعودتهم بعد عام من الغياب والعمل.


كما أن هناك تقليداً نوبياً يقتضى عقد القران والأفراح فى عيد الأضحى، حتى الآن هاتان العادتان باقيتان بالنوبة، فقطارات (مخصوص النوبة) القادمة من القاهرة والإسكندرية تقل ٥٠٠ عريس وعروس، من قاطنى القاهرة، لكنهم عادوا لقراهم ليقيموا عرساً نوبياً حقيقياً».


وتابع: «بداية رحلات النوبيين المغتربين، كانت فى الستينيات، وتحديداً بعد التهجير الذى قام به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ليبنى السد العالى.


ولأن التهجير أفقد الكثير من النوبيين قدرتهم على كسب الرزق، هاجر الشباب مرة أخرى إلى القاهرة والإسكندرية ودول الخليج، ليعملوا هناك وتركوا العجائز والنساء فى قرى التهجير بعد أن فقدوا نخيلهم ومراكب صيدهم وحتى النيل الذى كان مصدر رزقهم الأول لتلقى بهم الدولة فى أحضان الصحراء، وفى كل عيد يعود الرجال إلى القرية منذ ١٩٦٥ حتى اليوم، فى ثلاثة قطارات تسمى (مخصوص النوبة)، أحدها يخرج من الإسكندرية و الآخران من القاهرة تحت شعار (زورونى كل سنة مرة)».

-         منقول -

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق